عبد الله بن العباس
المسار الصفحة الرئيسة » الرجال » عبد الله بن العباس

 البحث  الرقم: 6954  المشاهدات: 3558
عده الشيخ (تارة) في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله (6). و
(أخرى) في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام (3)، و (ثالثة) في أصحاب
الحسين عليه السلام (15)، قائلا: " عبد الله وعبيد الله معروفان ".
وعده البرقي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وروى عنه عطاء بن أبي
رباح. تفسير القمي: سورة محمد صلى الله عليه وآله، في تفسير قوله تعالى: (فهل
ينظرون إلا الساعة).
قال العلامة في القسم الأول من الخلاصة، (1) من الباب (2) من حرف
العين: " عبد الله بن العباس، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، كان محبا
لعلي عليه السلام، وتلميذه، حاله في الجلالة والاخلاص لأمير المؤمنين (عليه
السلام)، أشهر من أن يخفى. وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمن قدحا فيه! وهو
أجل من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله تعالى عنه "
إنتهى.
وذكره ابن داود في القسم الأول (864)، وقال: " عبد الله بن العباس
(ل - ي) رضي الله عنه، حاله أعظم من أن يشار إليه في الفضل والجلالة ومحبة
أمير المؤمنين (عليه السلام) وانقياده إلى قوله ". إنتهى.
وله مفاخرة مع معاوية وعمرو بن العاص وقد ألقمهما حجرا، رواها
الصدوق في الخصال: في باب الأربعة، قول معاوية: إني لأحبك لخصال أربع،
الحديث 35.
وقد شهد عند معاوية بأنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: أنا
أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ذكر بعد ذلك علي بن أبي طالب، والحسن بن علي،
والحسين، وأولاده التسعة (عليهم السلام). الخصال: باب الاثني عشر، في أن
الخلفاء والأئمة بعد النبي اثنا عشر، الحديث 41.
ثم إن الكشي ذكر في عبد الله بن العباس (15) عدة روايات مادحة وهي
كما تلي:
" حمدويه وإبراهيم، قالا: حدثنا أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن
عاصم بن حميد، عن سلام بن سعيد، عن عبد الله بن يا ليل - رجل من أهل
الطائف - قال: أتينا ابن عباس نعوده في مرضه الذي مات فيه، قال: فأغمي عليه
في البيت فأخرج إلى صحن الدار، قال: فأفاق، فقال: إن خليلي رسول الله (صلى
الله عليه وآله) قال: أني سأهجر هجرتين وأني سأخرج من هجرتي، فهاجرت
هجرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهجرة مع علي (عليه السلام)، وأني
سأعمى فعميت، وأني سأغرق فأصابتني حكة فطرحني أهلي في البحر فغفلوا
عني فغرقت ثم استخرجوني بعد. وأمرني أن أبرأ من خمسة: من الناكثين وهم
أصحاب الجمل، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام، ومن الخوارج وهم أهل
النهروان، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا لا قدر، ومن
المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا: الله أعلم، قال: ثم قال: اللهم إني
أحيى على ما حيي عليه علي بن أبي طالب، وأموت على ما مات عليه علي بن
أبي طالب.
قال: ثم مات فغسل وكفن ثم صلى على سريره، قال: فجاء طائران أبيضان
فدخلا في كفنه فرأى الناس إنما هو فقهه فدفن.
جعفر بن معروف قال: حدثني محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن
(ابن شريح) بن جريح، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أن ابن عباس لما مات
وأخرج خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون إليه يطير نحو السماء حتى
غاب عنهم، فقال: وكان أبي يحبه حبا شديدا، وكانت أمه تلبسه ثيابه وهو غلام
فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطلب، قال: فأتاه بعدما أصيب ببصره، فقال: من
أنت؟ قال: أنا محمد بن علي بن الحسين، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك.
جعفر بن معروف، قال: حدثني الحسين بن علي بن النعمان، عن أبيه، عن
معاذ بن مطر، قال: سمعت إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: حدثني بعض
أشياخي، قال: لما هزم علي بن أبي طالب صلوات الله عليه أصحاب الجمل بعث
أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل
وقلة العرجة، قال ابن عباس: فأتيتها وهي في قصر بني خلف في جانب البصرة،
قال: فطلبت الاذن عليها فلم تأذن فدخلت عليها من غير اذنها فإذا بيت قفار
لم يعد لي فيه مجلس، فإذا هي من وراء سترين، قال: فضربت ببصري فإذا في
جانب البيت رحل عليه طنفسة، قال: فمددت الطنفسة فجلست عليها، فقالت
من وراء الستر: يا ابن عباس أخطأت السنة! دخلت بيتنا بغير إذننا، وجلست
على متاعنا بغير إذننا، فقال لها ابن عباس: نحن أولى بالسنة منك ونحن
علمناك السنة، وإنما بيتك الذي خلفك فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
فخرجت منه ظالمة لنفسك غاشية لدينك عاتبة على ربك عاصية لرسول الله
(صلى الله عليه وآله)، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلا باذنك ولم نجلس على
متاعك إلا بأمرك، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعث إليك
يأمرك بالرحيل إلى المدينة وقلة العرجة، فقالت: رحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر
ابن الخطاب! فقال ابن عباس: هذا والله أمير المؤمنين وإن تربدت فيه وجوه
ورغمت فيه معاطس، أما والله لهو أمير المؤمنين، وأمس برسول الله رحما، وأقرب
قرابة، وأقدم سبقا، وأكثر علما، وأعلى منارا، وأكثر آثارا من أبيك ومن عمر،
فقالت: أبيت ذلك. فقال: أما والله إن كان إباؤك فيه لقصير المدة عظيم التبعة
ظاهر الشؤم بين النكد مبين المنكر، وما كان إباؤك فيه إلا حلب شاة حتى صرت
ما تأمرين ولا تنهين ولا ترفعين ولا تضعين، وما مثلك إلا كمثل ابن الحضرمي بن
نجمان أخي بني أسد حيث يقول:
ما زال إهداء القصائد بيننا * شتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركتم كأن قلوبهم * في كل مجمعة طنين ذباب
قال: فأراقت دمعتها وأبدت عويلها وتبدى نشيجها، ثم قالت: أخرج والله
عنكم فما في الأرض بلد أبغض إلي من بلد تكونون فيه، فقال ابن عباس:
فوالله ماذا بلاؤنا عندك ولا بصنيعنا إليك، إنا جعلناك للمؤمنين أما وأنت بنت
أم رومان، وجعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة، فقالت: يا ابن عباس تمنون
علي برسول الله؟! فقال: ولم لا نمن عليك بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا
به، ونحن لحمه ودمه ومنه وإليه، وما أنت إلا حشية من تسع حشايا خلفهن بعده
لست بأبيضهن لونا، ولا بأحسنهن وجها، ولا بأرشحهن عرقا، ولا بأنضرهن
ورقا، ولا بأطرأهن أصلا، فصرت تأمرين فتطاعين، وتدعين فتجابين، وما مثلك
إلا كما قال أخو بني فهر:
مننت على قومي فأبدوا عداوة * فقلت لهم كفوا العداوة والنكرا
ففيه رضا من مثلكم لصديقه * وأحجى بكم أن تجمعوا البغي والكفرا
قال: ثم نهضت وأتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبرته بمقالتها وما
رددت عليها، فقال: أنا كنت أعلم بك حيث بعثتك ".
وقال المفيد - قدس سره - في الارشاد: باب ذكر الامام بعد أمير المؤمنين
(عليه السلام): روى أبو مخنف لوط بن يحيى، قال: حدثني أشعث بن سوار، عن
أبي إسحاق السبيعي وغيره، قالوا: خطب الحسن بن علي (عليهما السلام) في
صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)، فحمد الله وأثنى عليه
وصلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: لقد قبض في هذه الليلة رجل
لم يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول
الله (صلى الله عليه وآله) فيقيه بنفسه... (إلى أن قال) وما خلف صفراء ولا بيضاء
إلا سبعمائة درهم فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله - إلى أن
قال -: فالحسنة مودتنا أهل البيت، ثم جلس فقام عبد الله بن العباس رحمه الله
بين يديه فقال: معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه، فاستجاب
له الناس، فقالوا: ما أحبه إلينا وأوجب حقه علينا، وبادروا إلى البيعة له بالخلافة
وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة،
فرتب العمال وأمر الامراء، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى البصرة، ونظر في
الأمور... (إلخ).
هذا والاخبار المروية في كتب السير والروايات الدالة على مدح ابن عباس
وملازمته لعلي ومن بعده الحسن والحسين (عليهم السلام) كثيرة، وقد ذكر المحدث
المجلسي - قدس سره - مقدارا كثيرا منها في أبواب مختلفة من كتابه البحار، من
أراد الاطلاع عليها فليراجع سفينة البحار في مادة عبس. ونحن وإن لم نظفر
برواية صحيحة مادحة، وجميع ما رأيناه من الروايات في إسنادها ضعف، إلا أن
استفاضتها أغنتنا عن النظر في إسنادها، فمن المطمأن به صدور بعض هذه
الروايات عن المعصومين إجمالا.
وبإزاء هذه الروايات روايات قادحة ذكرها الكشي وهي كما تلي:
(15) " جعفر بن معروف، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد الأنباري، عن
حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي
جعفر (عليه السلام)، قال: أتى رجل أبي (عليه السلام)، فقال: إن فلانا - يعني
عبد الله بن العباس - يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت،
وفيم نزلت، قال: فسله في من نزلت: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة
أعمى وأضل سبيلا) وفيم نزلت: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم)
وفيم نزلت: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا).
فأتاه الرجل، وقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله، ولكن سله
ما العرش ومتى خلق وكيف هو؟
فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال، فقال: وهل أجابك في الآيات؟
قال: لا، قال: ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى والمنتحل، أما الأوليان
فنزلتا في أبيه، وأما الأخيرة فنزلت في أبي وفينا، وذكر الرباط الذي أمرنا به بعد
وسيكون ذلك من نسلنا المرابط ومن نسله المرابط.
فأما ما سألك عنه فما العرش؟ فإن الله عز وجل جعله أرباعا لم يخلق قبله
شيئا إلا ثلاثة أشياء الهواء والقلم والنور، ثم خلقه من ألوان مختلفة من ذلك
النور الأخضر الذي منه اخضرت الخضرة، ومن نور أصفر اصفرت منه الصفرة،
ونور أحمر احمرت منه الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار، ومنه ضوء النهار، ثم
جعله سبعين ألف طبق غلظ كل طبق كأول العرش إلى أسفل السافلين، وليس
من ذلك طبق إلا يسبح بحمده ويقدسه بأصوات مختلفة والسنة غير مشتبهة،
ولو سمع واحدا منها شئ مما تحته لا نهدم الجبال والمدائن والحصون ولخسف
البحار ولهلك ما دونه. له ثمانية أركان ويحمل كل ركن منها من الملائكة ما لا
يحصى عددهم إلا الله يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولو أحس شئ مما
فوقه ما قام لذلك طرفة عين، بينه وبين الاحساس الجبروت والكبرياء والعظمة
والقدس والرحمة ثم (القلم) العلم، وليس وراء هذا مقال لقد طمع الخائن في غير
مطمع.
أما إن في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم سيخرجون أقواما من دين الله
أفواجا كما دخلوا فيه، وستصبغ الأرض بدماء الفراخ من فراخ آل محمد، تنهض
تلك الفراخ في غير وقت وتطلب غير ما تدرك، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون
لما يرون حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ".
أقول: جعفر بن معروف لم يوثق.
" حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثنا الفضل بن شاذان،
عن محمد بن أبي عمير، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) وذكر
نحوه ".
أقول: علي بن محمد بن قتيبة لم يوثق على أن الرواية مرسلة، وفي رجال
المولى عناية الله: محمد بن أبي عمير، عن أحمد بن محمد بن زياد، قال: جاء...
إلخ، ولو صحت النسخة فأحمد بن محمد بن زياد مجهول.
" محمد بن مسعود، قال: حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب، قال: حدثني حمدان
ابن سليمان أبو الخير، قال: حدثني أبو محمد بن عبد الله بن محمد اليماني، قال:
حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الكوفي، عن أبيه الحسين، عن طاووس،
قال: كنا على مائدة ابن عباس ومحمد بن الحنفية حاضر فوقعت جرادة فأخذها
محمد، ثم قال: هل تعرفون ما هذه النقط السود في جناحها؟ قالوا: الله أعلم.
فقال: أخبرني أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه كان مع النبي (صلى الله
عليه وآله)، ثم قال: هل تعرف يا علي هذه النقط السود في جناح هذه الجرادة؟
قال: قلت الله ورسوله أعلم، فقال (صلى الله عليه وآله): مكتوب في جناحا (أنا
الله رب العالمين خلقت الجراد جندا من جنودي أصيب به من أشاء من عبادي).
فقال ابن عباس: فما بال هؤلاء القوم يفتخرون علينا يقولون انهم أعلم
منا؟ فقال محمد: ما ولدهم إلا من ولدني، قال: فسمع ذلك الحسن بن علي
(صلوات الله عليهما) فبعث إليهما وهما بالمسجد الحرام.
فقال لهما: أما انه قد بلغني ما قلتما إذ وجدتما جرادة، فأما أنت يا ابن عباس
ففي من نزلت هذه الآية (فلبئس المولى ولبئس العشير) في أبي أو في أبيك؟!
وتلا عليه آيات من كتاب الله كثيرا، ثم قال: أما والله لولا ما تعلم (نعلم)
لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو وستعلمه، ثم إنك بقولك هذا مستنقص في بدنك،
ويكون الجرموز من ولدك، ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا
الخلق لجحدوه وأنكروه ".
أقول: الرواية ضعيفة بعدة من رواتها.
" قال الكشي: روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن
محمد بن عبد الأعلى الجزري، عن خلف المخزومي البغدادي، عن سفيان بن
سعيد، عن الزهري، قال: سمعت الحارث يقول: استعمل علي (صلوات الله عليه)
على البصرة عبد الله بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة
وترك عليا (عليه السلام)، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد علي (عليه السلام)
المنبر حين بلغه ذلك فبكى، فقال: هذا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)
في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه، اللهم إني قد مللتهم
فأرحني منهم، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول ".
" قال الكشي: قال شيخ من أهل اليمامة يذكر عن معلى بن هلال، عن
الشعبي، قال: لما احتمل عبد الله بن عباس بيت مال البصرة، وذهب به إلى
الحجاز، كتب إليه علي بن أبي طالب (عليه السلام):
(من عبد الله علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس أما بعد فإني كنت
أشركتك في أمانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي
ومؤازرتي وأداء الأمانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو
عليه قد حرب، وأمانة الناس قد عزت (عرت) (خونت)، وهذه الأمور قد فشت،
قلبت لابن عمك ظهر المجن، وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان
الخاذلين، فكأنك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنك لم تكن على بينة من ربك،
وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمد (صلى الله عليه وآله) على دنياهم، وتنوي غرتهم،
فلما أمكنتك الشدة في خيانة أمة محمد أسرعت الوثبة وعجلت العدوة، فاختطفت
ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة. كأنك - لا أبا لك -
إنما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك، سبحان الله، أما تؤمن بالمعاد أو ما
تخاف من سوء الحساب أو ما يكبر عليك أن تشتري الإماء وتنكح النساء بأموال
الأرامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد؟ أردد إلى القوم أموالهم
فوالله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن الله فيك، والله فوالله لو أن
حسنا وحسينا فعلا مثل الذي فعلت لما كانت لهما عندي في ذلك هوادة، ولا
لواحد منهما عندي فيه رخصة، حتى آخذ الحق وأزيح الجور عن مظلومها،
والسلام).
قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس (أما بعد، فقد أتاني كتابك تعظم علي
إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة ولعمري إن لي في بيت مال الله
أكثر مما أخذت: والسلام).
قال: فكتب إليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) (أما بعد، فالعجب كل
العجب من تزيين نفسك أن لك في بيت مال الله أكثر مما أخذت، وأكثر مما لرجل
من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل، وادعاؤك مالا يكون ينجيك من
الاثم، ويحل لك ما حرم الله عليك، عمرك الله إنك لأنت العبد المهتدي إذن!
فقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري مولدات مكة والطائف،
تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك! واني لأقسم بالله ربي وربك، رب
العزة، ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثا، فلا غرو
أشد باغتباطك تأكله رويدا رويدا، فكأن قد بلغت المدى وعرضت على ربك
المحل الذي تتمنى الرجعة والمضيع للتوبة (كذلك) ذلك وما ذلك ولات حين
مناص، والسلام).
قال: فكتب إليه عبد الله بن عباس: (أما بعد فقد أكثرت علي، فوالله
لئن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحب إلي من أن ألقى
الله بدم رجل مسلم) ".
أقول: هذه الرواية وما قبلها من طرق العامة، وولاء ابن عباس لأمير
المؤمنين وملازمته له (عليه السلام) هو السبب الوحيد في وضع هذه الأخبار الكاذبة
وتوجيه التهم والطعون عليه، حتى أن معاوية لعنه الله كان يلعنه بعد الصلاة!
مع لعنه عليا والحسنين وقيس بن عبادة والأشتر!! كما عن الطبري وغيره، وأقل
ما يقال فيهم أنهم صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكيف كان يلعنهم
ويأمر بلعنهم!!
وقال الكشي قبل ترجمة عبد الله بن عباس متصلا بها، وفي ترجمة عبيد الله
ابن عباس (51):
" وروى محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن سنان، عن موسى بن بكر
الواسطي، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اللهم العن ابني فلان وأعم أبصارهما، كما أعميت
قلوبهما الأجلين (الاكلين) في رقبتي واجعل عمى أبصارهما دليلا على عمى قلوبهما ".
وهي ضعيفة بالارسال: أولا لجهالة طريق الكشي إلى محمد بن عيسى بن
عبيد، وبمحمد بن سنان وموسى بن بكر الواسطي ثانيا.
ثم إن الكليني - قدس سره - روى عن محمد بن أبي عبد الله ومحمد بن
الحسن، عن سهل بن زياد ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، جميعا عن الحسن
ابن عباس بن حريش، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) عن أبي عبد الله (عليه
السلام)، قال: بينا أبي جالس وعنده نفر إذ استضحك حتى اغرورقت عيناه
دموعا، ثم قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قال فقالوا: لا، قال: زعم ابن عباس
أنه من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، فقلت له: هل رأيت الملائكة يا بن
عباس تخبرك بولائها لك في الدنيا والآخرة مع الامن من الخوف والحزن؟ قال:
فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: (إنما المؤمنون إخوة) وقد دخل في هذا جميع
الأمة، فاستضحكت (إلى أن قال) ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله، ثم لقيته
فقلت يا بن عباس ما تكلمت بصدق بمثل أمس، قال لك علي بن أبي طالب:
إن ليلة القدر في كل سنة وأنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة وأن لذلك الامر
ولاة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت من هم، فقال: أنا وأحد عشر من
صلبي أئمة محدثون، فقلت: لا أراها كانت إلا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
فتبدى لك الملك الذي يحدثه، فقال: كذبت يا عبد الله رأت عيناي الذي حدثك
به علي (عليه السلام)، ولم تره عيناه ولكن وعي قلبه ووقر في سمعه، ثم صفقك
بجناحه فعميت، قال: فقال ابن عباس: ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى الله
تعالى، فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين؟ قال: لا، قلت:
هيهنا هلكت وأهلكت. الكافي: الجزء 1، كتاب الحجة، باب في شأن إنا أنزلناه في
ليلة القدر 41، الحديث 2.
وهذه الرواية مضافا إلى ضعفها بالحسن بن العباس بن حريش، آثار
الوضع عليها ظاهرة، فإن الظاهر من ضحك الباقر (عليه السلام) أن الامر وقع
قريبا، والمفروض في الرواية أنه (عليه السلام) كان جالسا وعنده نفر فكانت هذه
القصة زمان إمامته (عليه السلام)، ولا أقل أنها كانت زمان كبره (عليه السلام)، مع
أن ابن عباس مات سنة ثمان وستين، وولد أبو جعفر (عليه السلام) سنة سبع
وخمسين، فالقضية مكذوبة لا محالة.
والمتحصل مما ذكرنا أن عبد الله بن عباس كان جليل القدر، مدافعا عن
أمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام)، كما ذكره العلامة وابن داود.
روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). الفقيه: الجزء 4، باب النوادر وهو
آخر أبواب الكتاب، الحديث 852.
وروى عنه عبد الله بن جعفر الطيار. الكافي: الجزء 1، كتاب الحجة 4، باب
ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، (عليهم السلام) 126، ذيل الحديث 4.


الفهرسة