خصائص وصفات الإمام الحسين عليه السلام
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » خصائص وصفات الإمام الحسين عليه السلام

 البحث  الرقم: 235  التاريخ: 1 ذو الحجّة 1429 هـ  المشاهدات: 7321
قائمة المحتويات

خصائص وصفات الإمام الحسين عليه السلام

لهذه الخصائص خصوصية ظهرت في صفاته وعباداته يوم عاشوراء بالخصوص، وهي منشأ جميع الخصائص، ألا وهي امتثاله لخطاب خاص به من الله تعالى قد امتثل بعبادة خاصة به في يوم واحد، وتحققت بالنسبة اليه ألطاف خاصة في مقابل اجزاء تلك العبادة او لنقل العبودية للرب. وهي عبادة ما تحققت من احد قبله، ولا تحصل لاحد بعده، وهي عبادة جامعة لما يتصور من العبادات البدنية الواجبة والمندوبة،
ظواهرها وبواطنها، روحها وصورتها، واتى بأكمل افراد كل واحد منها.
فعَبَد الله تعالى بجميع مفردات تلك الكلمة وتراكيبها، وبهيئة اجتماعها في ظرف يوم واحد، واظهر مع ذلك فيه جميع مكارم الاخلاق والصفات الحسنة، متلائمها ومتضادها، بأكمل افرادها، واضاف الى ذلك تحمل اعظم الشدائد والابتلاء الحاصل لكل مبتلى، والصبر عليها بأكمل انواعه، بل الشكر عليها بأكمل وجوهه، وحازت هذه العبادات من كل مزية وخصوصية موجبة للفضيلة ازكاها واسناها، وزادت على ذلك كل خصوصية للعبادة في الشدة التي هي من خصوصيات بعض الانبياء (ع (والذين باهى الله تعالى بهم ملائكته.
لذلك حصلت له من جميع ذلك خصوصية عبادة لم يكن له شريك فيها، وبسببها اختص بنداء خاص بقوله عز وجل: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، واختص برضاه عن ربه تعالى ورضاه عنه راضية مرضية ، واختص بعبودية خاصة وجنة خاصة منسوبة الى الله تعالى (فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) فلنشرع في تفصيل هذه العبادة بعون الله تعالى.
فنقول: اعلم ان الله جل جلاله كلّف عباده بحسب مراتبهم، ودرجاتهم، ومصالحهم، فجعل لكل نبي شرعة ومنهاجا له، ولأمته، ولكل منهم خصائص بالنسبة الى اوصيائهم، كما جعل الله تعالى الملة الحنيفية السمحة السهلة لنبينا محمدا المصطفى صلوات الله عليه وآله، ولكن جعل له خصائص كثيرة تبلغ احدى وعشرين او ازّيد، وجعل لاوصيائه (عليهم السلام) بالنسبة الى ما يتعلق بامامته ودعوته الى الدين احكاما خاصة مثبتة، (في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بايدي سفرة. كرام بررة) فجعل لكل واحد في ذلك تكليفا خاصا بيّنه لهم في صحيفة مختومة باثنتي عشرة خاتما من ذهب لم تمسه النار جاء بالصحف جبرئيل (عليه السلام) الى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قبل وفاته.
وقال: يا محمـد! هذه وصيتك الى النخبة من اهل بيتك، قال (صلّى اللّه عليه وآله): ومن النخبة؟ قال (عليه السلام): علي بن ابي طالب ووُلده، فدفعها النبي (صلّى اللّه عليه وآله) الى سيد الوصيين عليا (عليه السلام) وامره ان يفك خاتما منها، ويعمل بما فيه، ثم دفعها الى ابنه الحسن (عليه السلام) ففك خاتما فعمل بما فيه، ثم دفعها الى اخيه الحسين (عليه السلام) ففك خاتما، فوجد فيه: ان اخرج بقوم للشهادة، لا شهادة لهم الا معك، واشرِ نفسك لله تعالى. اي بمعنى: بع نفسك لله، ثم دفعها الى علي بن الحسين (عليهما السلام) ففك خاتما فوجد فيه: اطرق واصمت والزم منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
ولما كان من التكليف المختص بالحسين (عليه السلام) بع نفسك والمراد به في خصوص يوم القتال، فلا بد ان يجمع في ذلك اليوم بين كل عبادة بدنية وقلبية وفعلية وتركية، واجبة، ومستحبة بانواعها واقسامها واصنافها، واشخاصها، المشتركة بين وبين غيره، والمختصة به (عليه السلام)، فاستحق المعاملة الكلية مع الله تعالى، وان يعطيه كل ما يمكن ان يعطيه المخلوق، وقد فعل ذلك.
وحصلت له بإزاء ذلك الطاف خاصة جليلة، وخفية، وتفصيل هذه المعاملة، وبيان هذه العبادة، إنما يتحقق بأن نعنون للعبادات والأخلاق على نحو ما في كتب الفقه، ثم نذكر كيفية تاديته لها، ثم بعض خصوصيات جمعها وتركيبها.

كتاب العبادات البدنية الواجبة

وفيه أبواب:
الأول: باب الطهارة الظاهرية العامة: فقد اغتسل ليلة شهادته بماء اتى به ولده علي مع علمه بانهم يضطرون اليه، وهذا من خصائصه فاختص بالجمع بين اقسام الطهارات، ثم تطّهر بطهور خاص: هو دم قلبه فتوضأ منه بغسل الوجه، ثم اغتسل غسل ترتيب بدمائه، فغسل بها رأسه ثم بدنه ثم ثم غسل بها غسل ارتماس تارة اخرى.
واما الباطنية الخاصة: فقد توضأ في يوم العاشر بوضوء خاص، فملأ كفه من بعض دمائه وغسل بها وجهه وخضبه، ثم تيمم صعيدا طيبا مباركا فمسح به وجهه واضعا عليه جبهته حينما تهيأ لتسليم ما باعه لله تعالى.
الثاني باب الصلاة: في الزيارة الجامعة ورد: واقمتم الصلاة، وفي زيارة الحسين (عليه السلام) بالخصوص: واقمت الصلاة، فله اقامة الصلاة المختصة به، فقد صلى في ذلك اليوم بأربعة أقسام من الصلوات.
القسم الاول: الوداع لصلاة الليل، وهي التي لها استمهل القوم ليلة عاشوراء.
القسم الثاني: صلاة الظهر في ذلك اليوم على طريقة صلاة الخوف، بنحو خاص به غير صلاة عسفان وذات الرقاع وبطن النخل * عسفان اي: موضع بين مكة والمدينة، وذات الرقاع: مخازن بنجد كانت تمسك الماء لبني كلاب، وبطن النخل: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة.
القسم الثالث: روح الصلاة من اسرار افعالها واقوالها وكيفيتها على ما هو مذكور في كتاب الصلاة.
القسم الرابع: صلى صلاة خاصة به بتكبير خاص وقراءة خاصة وقيام خاص وركوع خاص وسجود وتشهد وتسليم، احرم لها حين نزل من الفرس وقام حين وقف راجل، وركع حين كان ينوء اي: ينهض ويقوم، ويكبو اي: يسقط، وقنت بقوله:
اللهم متعال المكان، عظيم الجبروت، شديد المحال، غنيا عن الخلائـق، عريض الكبرياء، قادرا على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة، حسن البلاء، قريبا اذا دعيت، بمحيطا بما خلقت، قابل التوبة لمن تاب اليك، قادرا على ما اردت، ومدركا ما طلبت، شكورا اذا شكرت، وذكورا اذا ذكرت، ادعوك محتاجا وارغب اليك فقيرا، وافزع اليك خائفا، وابكي اليك مكروبا، واستعين بك ضعيفا واتوكل عليك كافيا، احكم بيننا وبين قومنا فانهم غرّونا، وخدعونا وخذلونا وغدروا بنا، وقتلونا ونحن عترة نبيك، وولد حبيبك (صلّى اللّه عليه وآله) الذي اصطفيته بالرسالة، وائتمنته على وحيك، فاجعل لنا من امرنا فرجا ومخرجا، برحمتك يا ارحم الراحمين
ثالثا: باب الصوم: قد وقع التكليف به مختلفا، وهو اثنا عشر قسما ذكرتها في فصل مستقل، واعلاها صوم الحسين (عليه السلام)، فقد اتى بصوم امسك فيه عن الطعام وشرب الماء.
واضاف اليهما الامساك عن جميع علائق القلوب والابدان، ولذا جعل الله تعالى لصومه افطارا خاصا اهداه اليه على يد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منتظر لوقت الافطار، كما اخبره به ولده علي الاكبر (عليه السلام)، وقال: هذا جدي بيده كأس مذحورة لك.
رابعا: باب الجنائز: يجب تجهيز الاموات وتغسيلهم وتكفينهم وتحنيطهم الوصلاة عليهم، الا الشهيد في المعركة، فيجب الصلاة عليه ودفنه بثيابه، ويستحب التشييع لجنائزهم وحملها، والتربيع في حملها، وغير ذلك، الا الحسين (عليه السلام) لم يتمكن من الواجبات، ولعله اتى بأقل الواجب من الصلاة حسب الامكان، واما الدفن فروي انه (عليه السلام) حفر لرضيعه بسيفه فدفنه، لنكات:
الاول: التمكن منه وحده
الثاني: ان لا يقطع رأسه
الثالث: ان لا يبقى مطروحا ثلاثة
الرابع: ان لا يرض بحوافر الخيول
الخامس: عدم القدرة على النظر اليه
ولا ننسى انه روي ان اكثر من رضيع للحسين قتل يوم الطف، نعم قد فعل ما تمكن منه، من حمل الاجساد وجمعها ووضع بعضها على بعض، فاذا وجد من يحمل الجنازة معه فعل، ومع عدم الوجدان كان (عليه السلام) يحمل بنفسه ويشيع ويربع.
خامسا: باب الزكاة والصدقات:
فقد ادى زكاة البدن، وزكاة المال، لا العشر وربع العشر، بل جميعه حتى الثوب العتيق الذي لا قيمة له، ودفع ليلة عاشوراء اثوابا قيمتها الف دينار لفك الرقاب، وهو كما ورد في اللهوف لابن طاووس 41.
سادسا: باب الحج:
قد امتاز حجه من عباداته بخصوصيات، سنذكرها في عنوان ما يتعلق منه ببيت الله ان شاء الله تعالى.
سابعا: باب الجهاد:
في زيارة الجامعة، وجاهدتم في الله حق جهاده، وفي زيارة الحسين (عليه السلام) بالخصوص: اشهد انك قد جاهدت في الله حق جهاده، نعم له خصوصية (عليه السلام) في الجهاد فاُمر بجهاد خاص في احكامه لم يؤمر به احد قبله.
وذلك من وجوه:
الاول: ان من شرائط الجهاد في اول الاول ان يكون الواحد بعشرة لا اكثر، فيلزم ثبات كل واحد في مقابل عشرة من الكفار، ثم خفف الله تعالى عنهم، وعلم ان فيهم ضعفا فجعل شرط الوجوب ان يكون الواحد باثنين، فلم يوجب الجهاد اذا كان عدد العدو عشرة اضعاف المجاهدين، ولكن قد كتب عليه القتال وحده في مقابل ثلاثين ألفا او اكثر.
الثاني: انه لا جهاد على الصبيان ولا على الهرم، وهو الشيخ الكبير، وقد شرع الجهاد في واقعته على البيان مثل القاسم (عليه السلام) وابن العجوز سلام الله عليهما، بل على مثل عبدالله بن الحسن (عليه السلام) وعلى الشيخ الكبير كحبيب بن مظاهر سلام الله عليه.
الثالث: ان لا يظن الهلاك، ولكنه (عليه السلام) قد علم بأنه يقتل، فقال لاصحابه: اشهد انكم تقتلون جميعا ولا ينجو احد منكم الا ولدي علي.
ثم ان اعداءه خالفوا في سلوكهم معه حتى الاحكام التي جعلها الله تعالى للقتال مع الكفار وهي كثيرة. منها: عدم القتال في الشهر الحرام، ولكنهم قاتلوه فيه. ومنها: ان لا يقتل صبي ولا امراة من الكفار، ولكنهم قتلوا منه صبيانا بل رضعا، فرضيعا حين اراد تقبيله ورضيعا حين اراد منهم ان يسقوه. ومنها: ان لا يحرق زرعهم، وقد احرقوا بعض خيامه اثناء حياته، وأرادوا حرقها مع من فيها فخاب كيدهم ولكنهم احرقوا بعضها الاخر بعد قتله. ومنها ان لا يهجموا دفعة اذ الشرط الوحدة في المبارزة، ولو مع الكفار. ومنها: ان لا يبدؤا في الهجوم قبل الظهر بل العصر حتى لا تطول المقاتلة، ويحول الليل بينهم لئلا يستأصلوا. ومنها: ان لا ينقل رأس من المعركة كما جاء في كتاب المبسوط للشيخ السيوطي 2: 33، وقيل انه يكره نقل رؤوس الكفار الا مع نكاية بهم، فأصل قطع راس الكافر جائز ونقله في ارض المعركة جائز، ولكن لا يجوز ان ينقل من الميدان ومحل الحرب الى مكان اخر. ومنها: ان لا يسلب كبير الكفار إلا اذا قتل.
حتى ان عليا (عليه السلام) لما قتل عمرا وهو الكفر كله، لم يسلب منه حتى درعه الذي لم يكن له نظير في ذلك الزمان على ما قيل ولم يكن من لباسه وقد سئل (عليه السلام) عن ذلك فقال: انه كبير قوم ولا احب هتك حرمته.
وذلك حينما قال المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله) فيه: برز الايمان كله الى الشرك كله، وبذلك فرحت اخته لما رأت اخاها غير مسلوب، وعلمت ان قاتله علي (عليه السلام)، فكان فرحها لشيئين:
احدهما: ان قاتله كفء كريم، وشخص جليل لذا قالت:
لو ان قاتل عمر غير قاتله
لكنت ابكي عليه أخر الابد
ثانيهما: انه (عليه السلام) قد احترمه بعدم سلب درعه، لذا قالت: لا رقأت دمعتي ان اهرقتها ، تعني ان سروري باحترام قاتلك لك قد انساني مصيبة فتلك فلا ابكيك، بل يقال انها هلهلت فرحا، وقالت: يا اخي عشت طويلا جليلا مكرما، وقتلت بيد جليل محترما، ثم انشدت:
لكن قاتله من لا يعاب به
وكان يدعى قديما بيضة البلد
فما ادري لو كان قاتل اخيها ابن راعية معزى، ابقع ابرص من ارذل الناس، فما كانت تصنع؟!
ومنها: ان لا يمّثل بقتيل من الكفار حتى ان امير المؤمنين (عليه السلام) نهى عن المثلة بأشقى الاشقياء من الاولين والاخرين، وهو ابن ملجم، فقال (عليه السلام):
اذا متُ فلا تمثلوا به بعدي. وهذا الحكم ثابت عند الكفار، وعبدة الاصنام ايضا في الجاهلية. حتى بالنسبة الى المسلمين الذين قـُتلوا فإن ابا سفيان لما وقف يوم اُحد على الشهداء، بعد فرار المسلمين في الاطراف، ورأى جسد الحمزة، جاء اليه ووضع الرمح على فمه وضعاً وشمت بقتله.
وقال: ذق يا شاق يا عاق.
لكن لما رأى المثلة في اصابعه، وبطنه واخراج كبده، صاح بأعلى صوته: يا اتباع محمد ان قتلانا في قتلاكم مثلة، والله ما امرت بهذا ولا رضيت به.
ولكن قد امر بأعظم المثلة دعيُ ابي سفيان، فكتب الى بن سعد: اذا قتلت حسينا (اركب) الخيل ظهره وصدره.!
ولست ارى ان هذا يضر بعد الموت شيئا، لكن على قول قد قلته: لو قتلته لفعلت هذا به. ومنها: الا يُمر بنساء الكفار اذا اسرن على رجالهن القتلى، ولذا عاتب المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله) بلالا حين مر بصفية، اسيرة على قتلى اليهود، حتى ارتجف وارتعدت فرائصه، ولكن عظمة المصيبة بالنسبة الى سبايا آل محمد (صلّى اللّه عليه وآله) ليست في مجرد المرور بهن على قتلاهن مضرجين بالدماء، بل في اصطحابهن لقتلاهن اياما كثيرة، تزيز على الشهر، وكون رؤوس القتلى بمنظرهن. ومنها: ان النساء من الكفار اذا اُسرن واسترققن وكنّ من بنات السلاطين فلا يعرضن للبيع في الاسواق، ولا يوقفن في المجالس، ولا تكشف وجوههن كسائر نساء الكفار، ولكن روي عن الباقر (عليه السلام): انه جيء بسبايانا الى الشام مكشفات الوجوه.
فقال اهل الشام ما رأينا سبايا احسن وجوها من هذه السبايا ومع ذلك فقول الشامي ليزيد: هب لي هذه الجارية، يقرع الكبد اكثر من العرض للبيع ثامنا: باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: له (عليه السلام) من ذلك قسم لم يكلف به غيره حتى انه تبسم في وجه قاتله ووعظه لما اراد قتله، ووعظ رأسه الشريف الراهب ودعاه الى الحق فأسلم على يديه.

كتاب العبادات المستحبة

اولا: باب سقي الماء:
والظاهر انه مستحب حتى للكفار في حال العطش، والبهائم وواجب في بعض الاوقات، واجره اول اجر يُعطى يوم القيامة كما ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه 36: 2 وقد تحققت منه (عليه السلام) انواع السقي كلها حتى السقي للمخالفين له والسقي لدوابهم بنفسه النفيسة، وسقي ذي الجناح فقال: اشرب وانا اشرب وحصلت منه انواع الاستسقاء كلها حتى بحفر البئر بيده الشريفة، وبالسؤال منهم بلسانه وبرسوله مقللا لكميته حتى بلغ السؤال لقطرة ايضا.
ثانيا: باب الاطعام:
في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، او مسكينا ذا متربة ، وكفى في فضله ان الخلاص من العقبة قد حمل عليه في الاية الشريفة، والحسين (عليه السلام) لم يتمكن من هذه العبادة بالخصوص مع ان يوم عاشوراء علاوة انه كان يوما ذا عطش فقد كان يوما ذا مسغبة ايضا.
ان الطعام كان مفقودا عندهم في ذلك اليوم، ولذا قال السجاد (عليه السلام): قتل ابن رسول الله جائعا، قتل ابن رسول الله عطشان ، لكن من جهة شدة العطش لم يتحقق ذكر الاستطعام، لانه مذلة عظيمة لا تتحملها النفوس الأبية، بل وتستنكف الإطعام وان حصل بدون استطعام في هذه الحالة.
ولذا لما اطعم اهل الكوفة الاطفال التمر والجوز صاحت بهم ام كلثوم (عليه السلام) يا اهل الكوفة ان الصدقة علينا حرام، واخذت هي وزينب ما في افواه الاطفال، ورمته اليهم. فإن الطعام في هذه الحالة صدقة فيها اهانة وذلة، فيحرم عليهم وان لم يكن زكاة.
ثالثا: باب ملاطفة الاباء اولادهم:
فانه مستحب، ولتفريح البنات خصوصية في الفضيلة، وقد تحقق ذلك منه بأحسن وجوهه، وذلك بتسلية ابنته الصغيرة سكينة (عليه السلام)، بتقبيل وجهها ومسح رأسها وتسليتها فما ازدادت الا غصة وحزنا.
رابعا: باب رد العادية واغاثة الملهوف:
له من هذين المستحبين ما لم يتحقق لغيره منذ صارا من المستحبات، فقد رد العادية احسن رد لما صرخت النساء حين الاحاطة بهن فقال لهم:
اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي
وقد اغاث اثنين وسبعين لهيفا من اصحابه (عليه السلام) حين كانوا ينادونه اذا صرعوا ليحضر عندهم، فأغاثهم كلهم، وأغاث سبعة وعشرون لهيفا من اهل بيته (عليه السلام)، نعم عزّ عليه ويعز ذلك علينا ان بعض اغاثاته صارت سببا لشدة المصيبة على من اغاثه، كما اتفق في اغاثته لابن اخيه على ما سيجيء ان شاء الله، ولذا قال (عليه السلام) (عزّ والله على عمك ان يجيبك فلا ينفعك.... .
خامسا: باب ادخال السرور على المؤمن، وزيارته:
وهما من افضل الاعمال، كما في الروايات، وقد سعى (عليه السلام) في ادخال السرور على المؤمنين والمؤمنات في ذلك اليوم تسليـات وملاطفات وامر بالصبر ووعظ، لكن حيث ان الميدان ارض كرب وبلاء بذاته وان يوم عاشوراء يوم اسف وحزن بذاته، لم يمكن ان يحصل سرور في قلوبهم، واما الزيارة فقد حصلت منه بعناوين مختلفة.
سادسا: باب عيادة المريض:
التي ورد فيها: ان عيادة المؤمن بمنزلة عيادة الله جل جلاله، وقد ظهر منه (عليه السلام) عيادة للمرضى والمجروحين حين دعوه اليهم ليعودهم فلم يكتف بمحض المجيء والجلوس عندهم، بل كان يخص بعضهم بملاطفات خاصة، وخصوصا الغرباء منهم، كالعبد الاسود، والغلام التركي الذي جاء اليه ووجده قتيلا ولكنه (عليه السلام) اراد عيادة واحد منهم فلم يتحقق ذلك وهو ابنه، فانه لادبه لم يدعه، لكنه لما سمع سلامه جاء اليه عالما بانه لا يدركه حيا، فصاح: يا بني قتلوك. نعم تحققت منه عيادة لولده السجاد (عليه السلام) وسؤال عن حاله حين اراد المبارزة، لكنها كانت اخر عيادة لموت العائد الصحيح قبل المريض المعاد، وتفصيلها في عنوان الشهادة.
سابعا: باب تلاوة الذكر والدعاء:
اما التلاوة فقد كان يتلو كتاب الله تعالى آناء الليل، واطراف النهار.
ومع ذلك فقد استمهل الاعداء ليلة عاشوراء لأمور فاتح احدها التلاوة: فقد اهتدى بسماع تلاوته ومناجاته ثلاثون رجلا في تلك الليلة، وعبروا اليه من عسكر ابن سعد، واستشهدوا بين يديه، وتلا القران الكريم في يوم عاشوراء في مقامات خاصة: احداها حين وقف لولده قبالة القوم، وقد دامت تلاوته الى حين رفع رأسه على الرمح، فسمعت منه سورة الكهف.
واما الذكر: فإن جميع حالاته وافعاله واقواله وحركاته وسكناته من عصر تاسوعاء الى عصر عاشوراء كانت ذكرا لله تعالى، وتذكراً للميثاق، وتعاهداً له، حتى أدى أمانته، ولم ينشغل بشيء من اللوازم البشرية والجسدية حتى أكل الطعام، هذا مع انه كان رطب اللسان دائما بالذكر حتى حين يبس لسانه، وأما الدعاء: فقد اشتغل به من اول الليل، وهو احد الامور التي استمهل الاعداء لاجلها ليلة عاشوراء، فاشتغل به في تلك الليلة الى الصباح.
ودعا اول الصبح بقوله: اللهم انت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وانت لي في كل امر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، انزلته بك وشكوته اليك، رغبة مني اليك عمن سوال، ففرجته ثم كان اخر دعاء دعا به وهو طريح: اللهم متعالي المكان عظيم الجبروت - والذي مرّ ذكره آنفا.

الروابط
المقالات: الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) *،
فضائل الإمام الحسين عليه السلام *،
قبس من سيرة الإمام الحسين عليه السلام *،
إباء الإمام الحسين (عليه السلام) عن الضيم *،
صفات الإمام الحسين (عليه السلام) الجسمية وهيبته *،
حُبّ النبي (صلى الله عليه وآله) للحسين (عليه السلام) *،
...
مواقع الإنترنيت: الموقع العالمي للدراسات الشيعية
مفاتيح البحث: الإمام السجاد (عليه السلام)،
موكب السبايا،
بلال الحبشي،
عبد الله الرضيع،
عاشوراء،
النبي محمّد (صلى الله عليه وآله)،
...

الفهرسة