سفير الإمام الحسين (عليه السلام)
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » سفير الإمام الحسين (عليه السلام)

 البحث  الرقم: 250  التاريخ: 1 ذو الحجّة 1429 هـ  المشاهدات: 10429
قائمة المحتويات

سفير الإمام الحسين (عليه السلام)

من منا لا يعرف مسلم بن عقيل بن أبي طالب؟!
ذلك الفتى السفير والدبلوماسي القدير الذي أنفذه الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة لكي يهيئ القواعد الشعبية لاستقباله بعد أن كثرت كتبهم ورسلهم يستعجلونه القدوم (فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار).
ولاشك أن تمثيل نفسية الإنسان الكامل بأوضح مجاليها إنما هو ببث أفكاره الناضجة والإشادة بنواياه الحسنة وهي الغاية الفذة من إرسال الرسول سواء في ذلك أن يكون القصد به نشر أخلاق تتهذب بها النفوس أو تعليم علوم ناجعة تتكهرب بها العقول أو إقامة عدل ترتاح بظله الأمم أو الدعوة إلى دين تعتنقه الأقوام أو توطيد سياسة تهش إليها الأمة فلا ندحة للمرسل إلا أن يبعث لأي من هذه الغايات الكريمة من هو المثل الأعلى فيها من بين لفيفه وحاشيته فيكون نبوغ الرسول مجلبة لرغبات الأمة الموصلة إلى مرضاة ذلك المصلح ووقوفه على غايته من الإرسال.
وحينئذ، بجب أن يكون الرسول حكيماً، في عمله بليغاً في منطقه، ليضع الأمور في نصابها ويكون قوله على وفق رأيه السديد ولا تفوته مقتضيات الأحوال فيكون أدعى لنشر الدعوة وأنمّ عن عبقرية المرسل.
لذلك فإن الحسين (عليه السلام) لم يرسل مسلماً إلى العراق والياً من قبله وممثلاً عنه إلا وهو يعلم أنه من فقهاء بيته الهاشمي وعلماء أسرته وأتقياء فئته وساسة ذويه ومن ذوي الحنكة واللياقة من قومه وأنه لجدير بحمل هذه الأمانة والقيام بهذا العبء وتهذيب الأمة وإصلاح الفاسد ودحض الأباطيل فلا يحتاج إلى شرح ما يجب عليه من الأعمال لعقله الوافر وكياسته وعلمه الغزير وسياسته الحكيمة.
ومن هنا اقتصر الإمام الحسين (عليه السلام) في صك الولاية الذي منحه مسلماً على تعريف أهل الكوفة بأن مسلماً أخوه وثقته والمفضل عنده من أهل بيته. فما كان من ابن عقيل إلا القيام بما انتدب إليه من حمل أعباء النيابة الخاصة ومعه صك الولاية أو الشرف الوضاح والسؤدد الخالد فخرج من مكة للنصف من شهر رمضان على طريق المدينة وإذ وصلها صلى في مسجد الرسول وزار بقعته المقدسة وودعه الوداع الأخير وجدد هنالك المواثيق المؤكدة على ما انطوت عليه أضالعه من التضحية والمفاداة دون أحدى الحسنين: الحياة الحرة السعيدة، أو الخلود بالذكر المؤيد بمرضاة رب العالمين. ثم ودع أهله وسافر إلى العراق ومعه قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي مع دليلين استأجرهما من قيس يدلانه على الطريق.
ولم يأخذ الطريق الجدد إلا وألق الحق معه ولم يهبط وادياً إلا وعبق الصدق يصحبه ومزيج نفسه شهامة من قومه وبسالة من عمه أمير المؤمنين (عليه السلام) وعزيمة ممن شرفه بالولاية والنيابة عنه سيد الشهداء وأنه لا يرى الموت دون الحق إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.
في الكوفة:
عندما ورد مسلم الكوفة نزل في دار المختار ابن أبي عبيد الثقفي وانثال عليه الناس زرافات ووحداناً يهتفون بالترحيب به فقرأ عليهم كتاب أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وعرفهم أنه مجيبهم إلى ما يريدون إن لزموا العهد وتدرعوا بالصبر على مكافحة أعدائهم وبعد أن فرغ من التعريف بأمر البيعة الذي يريد منهم تدافع الناس يمسحون أيديهم على يده هاتفين بالرضا والتسليم كما فعل الأنصار مع النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة وقريش يوم الفتح.. فبلغ عدد من بايع مسلماً (عليه السلام) ثمانية عشر ألفاً أو خمسة وعشرين ألفاً وقيل أربعون ألفاً... وقد كتب إلى الحسين في ذلك وطلب منه العجل في القدوم، كما كتب الكوفيون إليه قائلين: (يا ابن رسول الله إن لك بالكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر) ولكن سرعان ما انقلبوا على أعقابهم فخسروا شرف الدنيا كما عداهم الفوز في الدين، وجرى على مسلم في الكوفة ما جرى على الحسين (عليه السلام) في كربلاء من غدر الناس وخذلهم ونكثهم العهود والمواثيق والبيعة بوحي من الطمع والشهوة والخوف وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة.
ولعل من أعظم الدروس التي نستقيدها من ابن عقيل إذ نحن بصدد الكلام عنه هو الوفاء وعدم الغدر حتى بالعدوّ القاهر وذلك حين سنحت له الفرصة للفتك بابن زياد غيلةً فلم يفعل، وقصة ذلك: أن شريك الأعور نزل في دار هانئ بن عروة لمواصلة بينهما وكان فيها مسلم بن عقيل وحدث أن مرض شريك فأرسل ابن زياد إليه إني عائد لك فأخذ شريك يحرض مسلماً على الفتك بابن زياد وقال له: إن غايتك وغاية شيعتك هلاكه فأقم في الخزانة حتى إذا اطمأن عندي اخرج إليه واقتله وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية.
وبينا هم على هذا إذ نودي: الأمير على الباب فدخل مسلم الخزانة ودخل عبيد الله فلما استبطأ شريك خروج ابن عقيل أخذ عمامته من على رأسه ووضعها على الأرض ثم وضعها على رأسه فعل ذلك مرارا ونادى بصوت عال يسمع مسلماً:
ما الانتظار بسلمى لا تحييوهـــا* حيوا سليمى وحيوا من يحييها
هل شربة عذبة أسقى على ظمأٍ* ولو تلفت وكان منيّتـــي فيهـا
وأن تخشيت من سلمى مراقبــة* فلست تأمن يوماً من دواهيهـا.
وما زال يكرره وعينه واقعة على الخزانة ثم صاح بصوت رفيع اسقنيها ولو كان فيها حتفي فالتفت عبيد الله إلى هاني وقال أن ابن عمك يخلط في علته فقال هاني إن شريكا يهجر منذ وقع في علته وأنه ليتكلم بما لا يعلم فلما ذهب ابن زياد وخرج مسلم قال له شريك: ما منعك منه؟ قال (عليه السلام): منعني خلتان: الأولى حديث علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الإيمان قيد الفتل فلا يفتك مؤمن، والثانية: إمرأة هاني فإنها تعلقت بي وأقسمت علي بالله أن لا أفعل هذا في دارها وبكت في وجهي.
لله أبوك يا ابن عقيل! عرضت بنفسك للهلاك تعليماً للأمة على اتخاذ مقدسات الأحكام طريقاً لا حباً للفوز بالرضوان فلا يتجرأ الناس على الملة الحقة ولا يباغت الرجل من دونه في غايات طفيفة تسف إليها الطبقات الواطئة.
فالأمة إذا بلغها أن هذا الداعي إلى الحق (مسلم) ضحى نفسه ونفيسه دون الفتك والغدر وذهب ضحية الشرف والسؤدد والخطر ضحية المجد والكرامة كان هذا دليلاً للتأسي به. وللشيعة نفوسٌ نزاعة إلى اقتصاص أثر أهل البيت (عليهم السلام) والاستنارة بضوء تعاليمهم فمسلم (عليه السلام) كبقية رجالات أهل هذا البيت الرفيع أراد بفعله هذا وبقية أعماله أن يفيض على الأمة دروساً أخلاقية في التجنب عن رذيلة القتل والغدر ولو كان ثمن ذلك التضحية بالنفس والنفيس.
في السفارة والسفير:
السفارة لغةً:
في مجمع البحرين، السّفر: الكتاب يسفر عن الحقائق والسفير: الرسول بين القوم يزيل ما بينهم من الوحشة.
والسفارة بالكسر: الرسالة فالرسول والملائكة والكتب مشتركة في كونها سافرة عن القوم بما اشتبه عليهم وفي الحديث حق إمامك عليك في صلاتك بأنك تعلم أنه تقلد السفارة أي الرسالة بينك وبين ربك، والمقصود إمام الجماعة واسطة بين المأموم وربه وقد قال الفقهاء أنه يتحمل صلاة المأمومين ويضمن الخلل الواقع في الصلاة ماعدا الإخلال بالطهارة.
معاني السفير:
حسب المصادر اللغوية إن للسفير ستة معاني:
(أحدها) أن السفير هو الرسول وهو واسطة التبليغ.
(الثاني) أن السفير هو الوكيل والنائب في أمر خاص أو عام.
(الثالث) أنه الكاتب المختص بوظيفة المخصص لشأن مهم.
(الرابع) المصلح وهو الساعي في إخماد وثورة أو تسكين مشاغبات بين عشيرتين أو حكومتين أو شعب وحكومة.
(الخامس) المفسر المتكفل ببيان ما أشكل من الأمور الغامضة وإيضاح المواد المبهمة من الأحكام الشرعية والحقوقية السياسية الكاشف عن مخبآتها وخفاياها كشفاً مقبولاً.
(السادس) الشخص البارز بصورة ترفع التلبيس، والظاهر بصفة تزيل التشكيك كالصبح المسفر ما يهمنا من هذه المعاني هو الثاني الذي كان مسلم بن عقيل بمثل أحد مصاديقه في تأريخ الثورة الحسينية المباركة التي نحن بصدد الحديث عن أدبياتها.
فمسلم هو سفير الحسين (عليه السلام) إلى أهل العراق الذين ما فتئوا يرسلون الرسائل ويبعثون الكتب إلى الحسين (عليه السلام) أن أقدم، فإنما تقدم على جند لك مجندة، حتى اجتمع لديه منها ما ملأ الخرجين.
وإذ دخل ابن عقيل الكوفة لخمس خلون من شوال ونزل عند المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وهو من السادة الأشراف فيها، ابتدأت المهمة الدبلوماسية التي تقيض لها سفير أبي عبد الله (عليه السلام).
فشرع بعقد الاجتماعات والمؤتمرات مع الزعامات الشيعية وقادة الرأي من رجالات الكوفة مبيناً لهم الخطوط الرئيسية للنهضة الحسينية القادمة رياضها من بيت النبوة والعصمة مبشرات ولواقح، وانتهج مسلم في جميع لقاءاته واتصالاته بالقواعد الشعبية أسلوب المصارحة الجماهيرية والإعلام الصادق المرتكز على الحقائق والمسلمات فلم يغادر صغيراً ولا كبيراً يصب في مصلحة الثورة إلا بينها للناس وكشف عن دقائق أسرارها وبهذا نجح نجاحاً ساحقاً في استقطاب أبناء الأمة دون أدنى تكلف أو عناء.
ويشهد على ذلك انثيال الجماهير المسلمة عليه مقدمين فروض الطاعة والولاء والانقياد لأهدافه النبيلة وقد زاد ذلك من سروره وابتهاجه، وحدا به إلى مكاتبة الحسين وإعلامه بالتفاصيل والنتائج التي توصل إليها في مهمته.. مهيباً به التعجيل في المجيء واستثمار الموقف بقيادة الجماهير الطامحة نحو التغيير المطلوب في الوقت المناسب.
ولم يفت التاريخ تسجيل هذه الوثيقة كما لم يفته حفظ بعض المواقف المشرفة لأصحابها، فعندما قرأ مسلم كتاب الولاية والتمثيل الدبلوماسي الذي أنفذه به الإمام الحسين (عليه السلام) على أهل الكوفة واطلعوا على ما جاء فيه على لسانه من أن مسلما (أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي).. انبرى عابس بن شبيب الشاكري ليعرب عن موقفه المؤيد ويعلن عن نصرته المطلقة لإمام زمانه وقائده أمام سفيره ومندوبه الذي قدم أوراق اعتماده للتو فقال: (إني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في نفوسهم ولا أغرك بهم، والله إني أحدثك عما أنا موطن عليه نفسي، والله أجيبكم إذا دعوتهم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله).
وقام حبيب بن مظاهر ليقول (قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما أنت عليه).
وقال سعيد بن عبد الله الحنفي وآخرون مثل هذا القول، وأقبل الناس يبايعون مسلماً حتى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون، وكان ذلك قبل مقتل مسلم بسبعة وعشرين ليلة.
وكشاهد آخر على نجاح سفير الثورة في مهمته يذكر المؤرخون إن عبيد الله بن زياد لما ورد القادسية لبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء وانحدر وحده فكان كلما يمر بالناس ظنوا أنه الحسين (عليه السلام) فيحيونه ويرحبون به على طول المسير وهو ساكت حتى دخل الكوفة مما يلي النجف، فاستقبله الناس هاتفين بصوت واحد (مرحباً يا ابن رسول الله) بكل عفوية، الأمر الذي يدل على أن الجماهير بكل طبقاتها كانت معلقة الأنظار مشبوبة بقائدها المنتظر وأن الأرضية كانت مهيأة لدخول المعترك تحت لواء الحسين (عليه السلام).
لذلك فإن أول إجراء قام به ابن زياد ومنذ الصباح الأول ولوصوله الكوفة هو أنه جمع الناس وخطبهم محذراً من العقوبة ومهنياً بالعطية، فقال: أيما عريف وجد عنده بغية أمير المؤمنين (يزيد) ولم يرفعه إلينا صلب على باب داره.
أراد عبيد الله بهذا الخطاب الذي تضمن أول حكم عرفي ينم عن حالة طوارئ تستعد السلطة الحاكمة لإعلانها، وأد الثورة في مهدها، أولاً وأما الهدف الثاني الذي أراده عامل الأمويين، بعد أن هاله ما رأى من تكتل جماهيري واستعداد كبير لانفجار ثوري يطيح برأس النظام الأموي الجائر والتفاف فريد من نوعه حول قيادة المعارضة، هو تفتيت القواعد الرئيسة، التي ارتكز عليها هذا التكتل، بزجه القيادات الشيعية في السجن والدعاية للجيش الشامي الذي أشيعت قصة تحركه المخترعة والاستفادة من الطابور الخامس بتسليل (معقل) كعنصر مخابراتي إلى داخل الصف المعارض فيما بعد. وبالفعل تم لابن زياد ما أراد وتفللت الحشود وأعيد للسلطة الحاكمة توازنها وهيمنت على الوضع من جديد وقد عزلت مسلماً وضيقت عليه الدائرة ليقع بعد قليل في الفخ الذي أعد له، بقليل جهد.
سفارة الحق وسفارة الباطل:
كان مسلم سفير الحسين للكوفيين، وعبيد الله سفير يزيد إليهم، إذن فهناك سفارتان وسفيران أحدهما يمثل جهة المعارضة والآخر يمثل جهة السلطان الحاكم بالسيف والنطع.
ولننظر.. أيهما أزكى وأطهر وفقًا لنداء العقل والوجدان، قبل أن نحكم لأي منهما.
لقد تحلى السفير الأول مسلم بن عقيل بالإضافة إلى طهارة المولد وعراقة النسب وطيب النشأة بالعلم والفقاهة والحكمة وسداد الرأي وحسن التدبير والتقوى والعفة والوفاء بالعهد، سالكاً سبيل سلفه الصالح من أئمة الهدى وقادة الورى، بحيث أصبح في الغارب والسنام من كل فضيلة رابية، وما مدح المعصوم وهو الحسين (عليه السلام) في كتاب الولاية الذي أرسله بيد مسلم لأهل الكوفة وفيه يقول (أرسلت لكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي) إلا دليلا ناصعا على كل ما أثبتناه له من خلال وشمائل، فضلاً عن المسلّمة التي تفيد بأن إرسال ممثل أو نائب عن شخص ما، يخضع لاعتباراتٍ عدة ويشير إلى صفات وجدها المرسل في رسوله عند الاختيار، وهذا الأمر يجري مع الناس العاديين، فما بالك بالمعصومين من البشر؟!
على أننا لن نذكر لمسلم إلا واحدةً، تكفي بوحدها دلالة على سمو ذاته ورفعة نفسه في مقابل غضاضة خصمه ودناءته.. وذلك عندما امتنع هذا الفتى الهاشمي عن الفتك بعدوه كما تمنى عليه وطلب بإلحاح شديد شريك الأعور الذي نزل في دار هانئ بن عروة وقت كان مسلم ينزل فيها واتفق أن جاء عبيد الله بن زياد لعيادته إذ سمع بأنه مريض.. فقال لمسلم: إن غايتك وغاية شيعتك هلاكه فأقم في الخزانة حتى إذا اطمأن عندي اخرج إليه واقتله وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية.
فما كان جواب ابن عقيل ربيب الأطهار الميامين إلا أن قال بالفعل لا بالكلام: (إن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن).
هذا هو رصيد سفير الحق مسلم بن عقيل من الخلق العظيم والتربية الرسالية التي تجلت بهذه الصورة البهية التي رسمها لنا التاريخ بريشة صدقه، والتي أهّلت مسلماً للقيام بأخطر مهمة في تأريخ الدبلوماسية الإسلامية.. فأروني أين يقف هذا السفير الخالد من سفير بني أمية الغادر عبيد الله؟!
قيس بن مسهر الصيداوي
في وسط الصحراء، على الرمال اللاهبة، وتحت أشعة الشمس المحرقة، كان فتى بني أسد يحث جواده على الإسراع في المسير.
كان الفتى الأسدي بالرغم من كل ما يعانيه من تعب وإجهاد، وما يلاقيه من مخاطر وصعوبات، منشرح الصدر، مبتهج الأسارير، فهو الآن في طريقه إلى الكوفة، يحمل جواب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى زعمائها ورجالها، ويبشرهم بقرب وصوله، فإنها لن تمضي إلا أيام قلائل حتى يكون أبو عبد الله (عليه السلام) بين ظهرانيهم. جد قيس في مسيره بأقصى سرعة ممكنة، ولم يكن له هم إلا أن يصل إلى الكوفة التي تركها منذ أيام قلائل فقط عندما أرسله سفير الحسين مسلم بن عقيل إلى الإمام (عليه السلام) ليطلعه على مجريات الأمور، وتطورات الأحداث في الكوفة ويبشره بمبايعة أهله، وإعلان الولاء الكامل لآل الرسول، ويطلب منه الإسراع في المسير بعد أن أصبح الظرف ملائماً، ولم يبق ما يعيق دخوله إليها. أجل.. لم يكن أمام فتى بني أسد إلا الوصول إلى الكوفة ليبشر أهلها بقرب وصول الحسين (عليه السلام) الذي قدم إليها ليسير في الناس بسيرة أبيه فيهم من قبل، ويعيد الحق إلى صاحبه، ويحقق لهم أمنياتهم التي ماتت في قلوبهم إثر البطش الأموي.. ليبشرهم بالإمام الشرعي الذي بايعوه وبعثوا إليه آلاف الرسائل.
وهكذا.. قرر الإمام (عليه السلام) تلبية دعوتهم وتحقيق رغباتهم، وعزم على المسير إليهم، وأرسل إليهم ثقته وابن عمه مسلم بن عقيل ليرى الأمور هناك.
لقد طال عهد الكوفيين بالعدل والمساواة… وطال عهدهم بالأمن والاستقرار، فقد مضت عشرون سنة على مصرع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان المجتمع خلالها محروماً من كل شيء، ولم يعد لكلمات العدل والحق والأخوة أي معنى في أذهانهم بسبب ما لاقوه من الذل والهوان. وما تحملوه من الظلم والجور من الولاة الظلمة طوال تلك العشرين عاماً.
لعل بن مسهر الصيداوي كان هكذا يفكر وبمثل هذه الكلمات يحدث نفسه، وهو يجد السير في طريقه إلى الكوفة. وما أن وصل حتى رأى أن قد انقلب الوضع، وتغيرت الأمور. وأدار الكوفيون ظهرهم لمسلم، وتنكروا له، ونسوا وتناسوا كل العهود والمواثيق التي أعطوها له. وهكذا.. فما أن أحسوا بوصول عبيد الله بن زياد والياً عليهم من قبل يزيد بن معاوية، حتى أصيبوا بما يشبه المس، وصاروا وكأن على رؤوسهم الطير، وجعلوا يتفرقون عن مسلم زرافات ووحدانا حتى لم يبق معه أحد منهم بعد أن كانوا أكثر من ثمانية عشر ألف رجل مبايع… ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بتسليم مسلم وصاحبه هاني بن عروة إلى ابن زياد، حيث كانا أول رائدين لقافلة الشهداء على طريق كربلاء. ولم يكن ابن زياد بالرغم من كل ما حدث بالذي يطمئن إلى استقرار الأمور واستتبابها له خصوصاً وإنه يعرف أنه إذا استطاع الإمام الحسين (عليه السلام) وهو في طريقه إلى الكوفة أن يصل إليها ويدخلها، فربما استطاع أن يقلب الموازين، ويغير مجرى الأمور وينتزع الكوفة منه.
لذلك كله، عمل على أخذ جميع الاحتياطات التي رآها ضرورية في داخل وخارج الكوفة، ثم أوكل إلى صاحب شرطته الحصين بن تميم تنفيذ ذلك، فقام بما أوكل إليه.. منزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى فغان، وما بين القادسية إلى القطقطانة، وإلى جبل لعلع، وبث العيون في جميع الجهات والأطراف، وأمر بتفتيش كل خارج أو قادم إلى الكوفة والتحقيق معه.
وهكذا.. فلم يكد فتى بني أسد يصل حتى فوجئ بما حدث وأدرك الحقيقة المرة فغشيته سحابة من الحزن العميق، ولكن لم يلبث أن تمالك نفسه، وفكر في ما يحيق به من خطر، فسارع إلى تمزيق كتب أبي عبد الله (عليه السلام) التي كتبها إلى زعماء الكوفة وأعيانها حفاظاً على حياتهم. ولم يكد لينتهي بن مسهر من تمزيق الكتب حتى ألقى عليه الحصين بن تميم القبض، وكبله بالأغلال وسارع بإرساله إلى ابن زياد، وقف قيس بن مسهر ثابت الجنان، راسخ الإيمان، لا يهاب الموت في سبيل مبدئه وعقيدته، وكيف يهاب الموت؟ وهو يعلم أنها الشهادة في سبيل الله والحق والعدالة.. من أنت؟
سأله ابن زياد بحدة وغضب، فأجابه ابن مسهر بهدوء واطمئنان: أنا من أتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه.
قال ابن زياد: فلم خرقت الكتب؟ قال ابن مسهر بكل صراحة ووضوح: لئلا تعلم ما فيه. وحاول ابن زياد أن يهدأ أعصابه الثائرة فقال وهو يتصنع الهدوء والاتزان: وممن الكتاب وإلى من؟ فأجابه قيس: من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسمائهم.
وعندما أدرك ابن زياد أنه لن يحصل من فتى بني أسد على أية معلومات ذات قيمة ثارت ثائرته ولم يتمالك نفسه وقال له وهو يرتجف من شدة الغضب: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم. أو تصعد المنبر وتسب الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا..
قطعتك ارباً ارباً: وهنا فرح قيس واطمأن خاطره، فقد سنحت له الفرصة المناسبة التي كان يظن أنها لن تأتي أبدا، وعرف أنه سوف يتمكن من إبلاغ رسالة الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة وزعمائها، فأجابه بقوله: أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأما سب الحسين وأبيه وأخيه فأفعل. ثم صعد المنبر والتفت إلى الجمع الحاشد في مجلس ابن زياد فوجه إليه الخطاب وقال لهم بعد أن افتتح كلامه بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وأكثر من الترحم على علي والحسين: (أيها الناس إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا رسوله إليكم، وقد خلفته بالحاجر فأجيبوه. ثم ختم خطبته بلعن ابن زياد وأبيه وكل عتاة بني أمية. وما أن وصل في كلامه إلى هذه النقطة حتى انفجر ابن زياد من شدة الغضب، وأشار إلى شرطته وجلاديه يأمرهم أن يمسكوا ابن مسهر وأن يلقوا به من أعلى القصر إلى الأرض لتتقطع جميع أعضائه ويموت.
وعلم الإمام (عليه السلام) بقتل رسوله المؤمن، وما أبداه من شجاعة وجرأة وتفان في نصرة الحق والعدل، فتأثر تأثراً شديداً ولم يملك دمعة فبكاه ثم أبنه بهذه الكلمات: (إنا لله وإنا إليه راجعون، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. اللهم اجعل له الجنة ثواباً. اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك، إنك على كل شيء قدير).
وهكذا.. مضى قيس ابن مسهر الصيداوي الأسدي إلى ربه راضياً مرضياً، وكان الثالث في قافلة الشهداء الذين استشهدوا على طريق كربلاء.. وسطروا في سجل التاريخ الخالد بأحرف من نور أروع البطولات وأعظم التضحيات التي يمكن أن تبذل في سبيل الله.

الروابط
المقالات: مسلم بن عقيل (عليه السلام)،
سفير الإمام الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل (عليه السلام)،
خروج مسلم بن عقيل (عليه السلام) إلى الكوفة،
خروج سفير الإمام الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل إلى الكوفة
مواقع الإنترنيت: الموقع العالمي للدراسات الشيعية
مفاتيح البحث: خطبة ابن زياد في الكوفة،
عبيد الله بن زياد،
حبيب بن مظاهر الاسدي،
الإمام الحسين (عليه السلام)،
قريش،
الكوفة،
...
المواضيع: تاريخ أهل البيت
الواحات: الواحة الحسينية

الفهرسة