المزاح؛ بين المحبوبية والمذمومية
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » المزاح؛ بين المحبوبية والمذمومية

 البحث  الرقم: 2547  التاريخ: 18 ربيع الأول 1430 هـ  المشاهدات: 4002
قائمة المحتويات

المقدمة

يتعامل الناسُ فيما بينهم بحسب أمزجتهم النفسية، فصاحبُ الخلُق الحسن يعامل الناس من منطلق صفاءِ نفسه ودماثة خلُقه، وسيءُّ الخلق يكشف للناس الكدورةَ التي تُطْبق على جوانحه، وقد تتغير طبيعة تعامل الإنسان مع الآخرين بحسب ما يمر به، فقد يسوء خلقُ المرء حين الغضب والاشمئزاز ويحسن عند الراحة والاستبشار، لذا جاء الدينُ الحنيف ليقوّم الإنسانَ ضمن ضوابط تمنعه من تجاوز ما لا يجوز له تجاوزُه، ويهذّبه لتكون فيه مكارم الأخلاق سجيةً بدل أن تكون صفة تطرأ عليه في حين وتزول في آخر، أو تكون مزاجاً مؤقتاً.
ومن الجوانب الإجتماعية المهمة التي قررتها الشريعةُ ووضعت لها ضوابطَها هي حالة المزاح، فقد نجد في حياتنا أصنافاً من الناس يختلفون في جدهم وهزلهم أو في وقارهم ومزاحهم بحسب اختلاف أمزجتهم وطباعهم، فمنهم من نجده وقد غلب عليه المزاحُ حتى تمادى في هزله مع إخوانه ومن عاشره، فصار المزاح صفة ملازمة له، وتقمّص الحالةَ الهزلية حتى كأن لم يعد له في حياته سوى الضحك واللعب، ومنهم من غلب عليه عكس ذلك، فلا يكاد أن يجرأ شخصٌ أن يبتسم في وجهه فضلاً عن أن يمازحه أو يداعبه، قد حمل مجامع الأمور كلها على محمل الجد، فلا مرونة في حياته وتصرفاته، ولا مسامحة مع الآخرين، ومنهم من كان بين هذا وذاك، له قسطه من المزاح إذا اقتضى الحال وناسب المقام، والقسط الآخر من حياته جد يخالطه بعض المرونة.
فأيّ من هؤلاء أصوب في طريقته وأسلم في حياته مع الناس؟ وهل الإسلام نهى عن المزاح أم امتدحه؟ وهل كان النبي (ص) وأهل بيته يمزحون؟ إذن ما هي الضوابط؟

كثرة الضحك والنهي عن المزاح

لا شك أن القاعدة الأولية لزيادة أي شيء هي صيرورته إلى ضد النتيجة المرجوة منه، وقد يكون حتى الممدوح مذموماً مع إكثاره.
وفي باب الضحك والمزاح وردت العديدُ من الآيات والأخبار الشريفة تذم الإكثار منهما، فقد قال تعالى: ﴿فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون﴾ (1).
وعن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): كثرةُ المزاح تذهب بماء الوجه، وكثرةُ الضحك تمحو الإيمان، وكثرةُ الكذب تذهب بالبهاء (2).
وفيما أصى به النبيُّ (صلى الله عليه وآله) إلى أبي ذر: عجبٌ لمن أيقن بالنار لِمَ يضحك؟ وقال (صلى الله عليه وآله): إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب (3).
وعن الصادق (عليه السلام): كم ممّن أكثر ضحكه لاعباً يَكثُر يوم القيامة بكاؤه، وكم ممن أكثر بكاؤه على ذنبه خائفاً يكثر في الجنة سروره وضحكه (4).
وعن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) قال: لا تمارِ فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيُجتَرأ عليك. وقال (عليه السلام): من الجهل الضحك من غير عجب (5).
وعن حُمران بن أعيَن قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام)، فقلت: أوصني، فقال: أُوصيك بتقوى الله، وإياك والمزاح فإنه يُذهب هيبة الرجل وماء وجهه... (6)
قال الصادق (عليه السلام): كثرة المزاح تذهب بماء الوجه، وكثرة الضحك تمحو الإيمان محواً (7).
وعن مولانا أمير المؤمنين (سلام الله عليه): ما مزح رجل مزحة إلا ومُجّ من عقله مُجّة (8).
إذن؛ يتلخص مما ورد من كلامهم (صلوات الله عليهم) أن الأضرار التي تلحق بكثرة الضحك والمزاح هي:
أولاً: إماتة القلب، وذلك يؤدي إلى الغفلة عن الله تعالى وعن ذِكره.
ثانياً: محو الإيمان محواً، وكذا فالإكثار يمجّ العقل والإيمان مجّاً.
ثالثاً: يُسقط المهابة والوقار، ويذهب بماء الوجه، ولا شكّ أنّ ذلك سيؤدي إلى اجتراء السفهاء على المازح وإسقاطه من أعين الناس.
رابعاً: أنّ مَن أكثر ضحكه لاعباً فإنه سيكثر يوم القيامة بكاؤه.
خامساً: وقد يؤدي الإكثارُ من الضحك والمزاح والهزل إلى الكراهية والضغينة والعداوة والبغضاء.
قال بعضهم لابنه: يا بني، لا تمازح الشريفَ فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيَّ فيجترئ عليك (9).
وقال رجل لأخيه: يا أخي، هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟! قال: فما رُئيَ ضاحكاً حتّى مات (10).
وقال آخر لنفسه: أتضحك ولعلّ أكفانك قد خرجت من عند القصّار؟! (11)
وما يُستفاد مما تقدم؛ أنّ المزاح والهزل وكثرة الضحك لا تلازم المتذكر لله تعالى ولحسابه وعقابه وللموت والنشر، إنما هي صفاتٌ تقترن بالغافلين عن يوم الحساب، الناسين لذكر الله تعالى ممن ضَعُفَ الإيمان في قلوبهم، فرجحوا الهزلَ على الجد واللعبَ على العمل.
ولكن، هل يعني هذا أن المؤمن لا يمزح أبداً؟!

مزاح النبي (صلى الله عليه وآله)

وردت في العديد من الأخبار أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يمزح، وكان يضحك، وكان ضحكه التبسم، فما هو نوع المزاح الذي كان يمزحه (صلى الله عليه وآله)؟
رُوي في الأثر أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يقول: إني لأمزح، ولا أقول إلاّ حقاً (12).
وعن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) تبسّم حتّى بدت نواجذُه (13).
ومن طرائف ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه رأى ذات يوم جملاً عليه حنطة، فقال: تمشي الهريسة (14).
وذات يوم قالت له عجوز من الأنصار: ادعُ لي بالجنة، فقال (صلى الله عليه وآله): إن الجنة لا يدخلها العجز (15)، فبكت المرأة، فضحك (صلى الله عليه وآله) وقال: أما سمعتِ قول الله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاءً * فجعلناهن أبكارا﴾ [الواقعة: 35 و36] (16).
وفي حادثة مشابهة قال للعجوز الأشجعيّة: يا أشجعيّة، لا تدخلُ العجوزُ الجنة، فرآها بلال باكية، فوصفها للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: والأسوَد كذلك، فجلسا يبكيان، فرآهما العباس فذكرهما له، فقال: والشيخ كذلك، ثم دعاهم وطيّب قلوبهم، وقال: يُنشئهم الله بأحسن ما كانوا، وذكر أنهم يدخلون الجنة شبّاناً منوّرين، وقال: إن أهل الجنة جرد (17) مرد (18) مُكحَّلون.

مزاح المؤمن

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): المؤمنُ دَعِبٌ لَعِب، والمنافق قَطِبٌ غَضِب (19).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لَهْوالمؤمن في ثلاثة أشياء: التمتع بالنساء، ومفاكهة الإخوان، والصلاة بالليل (20).
وعن يونس الشيباني قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت: قليل، قال: فلا تفعلوا، فإن المداعبة من حسن الخلق، وإنك لَتُدخل السرور بها على أخيك، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يداعب الرجلَ يريد أن يَسُرَّه (21).
ولا شكّ أن الدعابة ومفاكهة الإخوان المذكورة هنا هي الحالة التي ترافق المؤمن بميزانها الصحيح والقويم، تكون الغاية منها هي إدخال السرور على قلب المؤمن بشكل من الملاطفة الخفيفة غير المؤذية، دون أن تكون مدعاة لسقوط المهابة والوقار للمازح أو الإيذاء والتجريح للممزوح معه، هذا فضلاً عن أن يكون ـ والعياذ بالله ـ نوعاً من الهزل الذي يُنسي ذكرَ الله تعالى أو يؤدي إلى إماتة القلب والغفلة، فينبغي أن لاينسى المرءُ المؤمن أن لا يقول إلا صدقاً وحقاً.

شروط المزاح

1 ـ أن لا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين.
قال الله تعالى: ﴿ولَئِن سألتَهم لَيقولُنّ إنّما كنّا نخوضُ ونلعبُ قلْ أباللهِ وآياتِه ورسولِه كنتُم تَستهزؤون﴾ (22).
فكم من مزحة تشتمل بين طياتها استهزاءً بدين الله تعالى أو بآياته من كتابه أو بنبيه (صلى الله عليه وآله) أو بأوليائه الصالحين، فعلى المؤمن أن يتفطن ويحذر من هذا النوع من المزاح، فربّما قال كفراً أو نطق ما يشبهه!
2 ـ أن لايكون إلاّ صدقاً وحقاً.
وما أكثرَ المزح الكاذبة.
3 ـ أن لا يكون موجباً لترويع مؤمن أو إيذائه أو إهانته.
ويغلب هذا في مزاح اليد، فإن ذلك يكون مَدعاةً للبغضاء والضغينة.
4 ـ أن لا يشتمل على الاستهزاء والغمز واللمز.
قال الله تعالى: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا يَسخَرْ قومٌ مِن قومٍ عسى أن يكونوا خيراً مِنهم ولا نساءٌ مِن نساءٍ عسى أن يكنّ خيراً منهنّ ولا تَلمِزُوا أنفسَكُم ولا تَنابزوا بالألقابِ بِئس الاسْمُ الفُسوقُ بعدَ الإيمانِ ومَن لم يتبْ فأُولئك هُمُ الظالمون﴾ (23).
وقد توعّد الله تعالى بالويل لكلّ هُمزةٍ لُمزة، ويؤسف أن يستسيغ البعضُ هذا النوع من المزاح، فنراه يلمز لصاحبه أو يسخر ممن ابتلاه الله تعالى بسوء خلقته أو يهزأ من سوء مِشْية هذا أو ذاك.
5 ـ لكل مقام مقال.
ليحرص المرءُ أن يكون مزاحه في محلّه مكاناً وزماناً، فلا ينبغي المزاح في مجلس العزاء ولا يروق في دُور العبادة، ويُستحسن في السفر.
6 ـ أن يُنزل الناسَ منازلهم.
فيلزم مراعاة الممزوح معه ومعرفة مقدار الناس، فلا يمازح العالمَ أو الشيخَ الكبير إذا كان في مزاحه منقصة له، أو أن يمازحهم بما يليق وشأنهم، حيث لا يكون مزاحه منافياً لأدبه معهم وتواضعه لهم، وكذا في مزاح الوالدين، وأن لا يمازح الأحمق والسفيه لكي لا يؤدّيَ باجترائه عليه.
7 ـ أن لا يشتمل على الغِيبة أو قذف المؤمن أو الافتراء عليه.
وقد نجد البعض يستأنس بذكر المضحك عن فلان وفلان، ناسياً أن ذكر ذلك في غيابه يكون انتقاصاً له لا يرضى صاحبها بذلك، هذا فضلاً عن التأليف المؤدي لقذفه والافتراء عليه.
8 ـ أن لا يكون كثيراً.
وقد رأينا ـ مما تقدم ـ كثرة النهي عن الإكثار من المزاح والضحك، فإن البعض يغلب عليهم الأمر حتى يكون دَيدنُهم ذلك، فعلى المؤمن أن يتجنب الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة والإفراط فيه، كيلا يغفل قلبُه عن ذكر الله تعالى ـ والعياذ بالله ـ.
وقد ورد أنّ من غلب عليه الهزل فسد عقله، والكامل من غلب جِدُّه هزلَه.

النتیجة

المزاح والضحك بالمعنى الهزلي مذموم، ولكن المؤمن يمزح شرط أن لا يقول إلاّ حقاً، فإن خلا المزاح من الاستهزاء بالله تعالى ونبيه ودينه وعباده المؤمنين، ولم يؤدِّ إلى إيذاء المؤمن أو ترويعه أو غيبته أو بهتانه وقذفه أو الاستهزاء به، وكان المزاح في محله، فهو ممدوح غير مذموم، وأما خلاف ذلك فممقوت.
والمؤمن يغلبه جدٌّ يتخلله المزاح دون العكس، فلا يغلب مزاحٌ أو هزلٌ على جِدّه، دثارُه الحزن وسلاحُه البكاء.

الروابط
الأشخاص: [المشرف] الأستاذ محمد الكاظمي [المترجم]
مواقع الإنترنيت: شبكة جنة الحسين (عليه السلام)
مفاتيح البحث: مكارم الأخلاق،
مزاح النبي (صلى الله عليه وآله)،
المزاح،
مزاح المؤمن،
مزاح النبي،
شروط المزاح،
...
المواضيع: الأسرة والمجتمع
أقسام الموقع: الأخلاق

الفهرسة