الغضب
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » الغضب

 البحث  الرقم: 255  التاريخ: 12 ذو القعدة 1429 هـ  المشاهدات: 1970
وهو شعلةٌ من نارٍ اقتُبست من نار الله الموقدة، اِلاّ أنّها لا تطلع على الافئدة، وانها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد، ويستخرجها الكِبر الدفين من قلب كل جبار عنيد، كما يَستخرج الحجر النار من الحديد، وتستخرجها حمية الدين من قلوب المؤمنين.
وسببه ثوران نار الغضب (وهي الحرارة المودعة في الانسان) واشتعالها، فيغلي بها دم القلب وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار، وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمرّ الوجه والعين والبشرة.
وإنّما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر الدرة عليه (الذي دونه)، فإن صدر الغضب على من هو فوقه (كالملك والسلطان) وكان معه يأس من الانتقام، تولّد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزناً، ولذلك يصفرّ اللون، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه، تولّد منه تردّد بين انقباض وانبساط، فيحمرّ ويصفرّ ويضطرب.
وقوة الغضب محلها القلب، ومعناها غليان دم القلب لطلب الانتقام، وإنّما تتوجه هذه القوة عند ثوراتها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها، وفيه لذتها ولا تسكن إلاّ به.
والناس في هذه القوة على درجات ثلاث في اول الفطرة، من التفريط والافراط والاعتدال:
أمّا التفريط: فيفقد هذه القوة أو ضعفها، وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه أنّه لا حمية له، ومن ثمرته عدم الغيرة على الحرام، ويتحمل الذل وصغر النفس والخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات.
والافراط: هو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج من سياسة العقل والدين وطاعتهما، فلا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكر واختيار، ويعمى ويصمّ عن كل موعظة، ومن آثاره تغيّر اللون وشدة الرعدة في الاطراف، وخروج الافعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام، وانطلاق اللسان بالفحش والشتم وقبيح الكلام، والضرب والتهجم، لذلك قال الرسولُ (صلّى الله عليه وآله): «الغضبُ يُفسد الايمانَ كما يفسد الخلُّ العسلَ» [جامع السعادات: 1/225].
واعلم ان قمع أصل الغيظ من القلب غير ممكن، بل التكليف إنّما هو بكسر ثورته وتضعيفه حتى لا يشتدّ هيجان الغيظ في الباطن، وينته ضعفه إلى ان يظهر أثره في الوجه، بل ينبغي للانسان ان يكون غضبه تحت اشارة العقل والشرع، فيغضب في محلّ الغضب، ويحلم في محل التَحلّم، ولا يخرجه غضبه عن الاختيار. قال تعالى: «والكاظمين الغيظ» [سورة آل عمران: 134]، ولم يقل: والفاقدين الغيظ.
ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الاسباب، فلابدَّ من ازالتها بأضدادها، فينبغي أن يميت الزهو بالتواضع، والعجب بالمعرفة بنفسه، والفخر بمعرفة أنّة من الرذائل وإنّما الفخر بالفضائل، وهكذا...
وكل خُلُق من هذه الأخلاق يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة، وأصل الرياضة في ازالة هذه الأخلاق يرجع إلى معرفة غوائلها، لترغب النفسُ عنها وتنفر عن قبحها، ثمَّ المواظبة على مباشرة اضدادها مدة مديدة، حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وطهرت عن هذه الرذائل، وتخلصت عن الغضب الذي يتولد منها.
وعلاجه عند هيجانه: الاستعاذة من الشيطان، والجلوس إن كان قائماً، والاضطجاع إن كان جالساً، والوضوء أو الغُسل بالماء البارد. قال النبي (صلّى الله عليه وآله): «إذا غضب أحدكم فليتوضأ وليغسّل، فإن الغضب من النار» [الاخلاق، للسيد عبد الله شبر: 146]، وقال (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ كفّ غضبه كفَّ اللهُ عنه عذابَه، ومن اعتذر إلى ربه قبل اللهُ عذرَه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته» [جامع السعادات: 1/227]، وقد قال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله): «الشجاع من يملك نفسه عند غضبه» [جامع السعادات: 1/226].

الروابط
الأشخاص: السيد خالد الموسوي [المراسل]
مفاتيح البحث: الغضب
المواضيع: رذائل الأخلاق

الفهرسة