منهج التربية الثورية عند الامام الحسين (ع)
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » منهج التربية الثورية عند الامام الحسين (ع)

 البحث  الرقم: 349  التاريخ: 17 ذو القعدة 1429 هـ  المشاهدات: 4931
قائمة المحتويات

منهج التربية الثورية عند الامام الحسين (ع)

التربية الثورية إنما ينهض بها القادة التاريخيون الذين يهدفون الى تحرير الإنسان من أسار وضع اجتماعي فاسد, ولبناء مجتمع صالح على أنقاضه. وعندما يصبح مثل هذا الهدف هو الهاجس الوحيد للقائد التاريخي, عندها يبدأ عملية التعبئة الفكرية والروحية بهذا الاتجاه. وتلتحق به النخبة المختارة التي ترتضي هذا الهدف محوراً لحركتها وهمومها ومواقفها.
الاسلام العظيم بصفته الدين السماوي الخالد, الذي اختاره الله تعالى للبشرية جمعاء يهدف الى أخراج الناس من عبودية العباد والطواغيت الى عبودية الله وحده, قال تعالى: يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به.... . وهذا بدوره سيؤدي الى اخراج الناس من الظلمات الى النور ومن الفساد والانحلال والفوضى الى الخير والأمن والإزدهار. وقد أوكل هذا الهدف العظيم الى أنبياء الله المرسلين والى خاتم الأنبياء والى أوصيائه النجباء, قال تعالى: هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور.. .
ومن هنا, فعندما ينحرف الحكام عن الاسلام العظيم, ويبغونها عوجاً, ويتحولون الى طواغيت, يهلكون الحرث والنسل ويعشون في البلاد والعباد فساداً, كما حصل عندما استولى الامويون على السلطة. وأخذوا يمارسون أنواع الظلم والجور, ويرتكبون أنواع المحرمات والمنكرات ويعملون في عباد الله بالإثم والعدوان, ويخالفون سنة رسول الله. ويستأثرون بالفيء من دون المسلمين.
لابد حينئذ للقائد التاريخي أن يتصدى بكل جرأة وشجاعة لهذا الإنحراف والعمل لارجاع الأمور الى نصابها, وإلا فإن أمر الامة المسلمة سينتهي الى الإنهيار والإنحلال وضياع القيم التي أرساها الرسول الأعظم (ص). وهذا حال لايمكن السكوت عليه. وهكذا كان وعي القائد التاريخي, الإمام القائد الحسين بن علي (ع). وكان يصرح بهذا مراراً, ولذلك اتجه الامام القائد (ع) الى اعداد النخبة المؤمنة, وتهيئتها, وتربيتها للقيام بالدور التاريخي المطلوب, دون الاقلال من أهمية وضرورة احداث وعي متزايد لدى جماهير الامة المسلمة لتتحمل مسؤوليتها الشرعية أيضاً.

التربية الجهادية الثورية

ومن هنا نجد أن الامام الحسين (ع) قد اختار أنصاره, واختار لهم الدور العظيم والخطير, ووفقوا هم لأداء هذه المسؤولية الكبرى.
وهنا يثور سؤال:
ما هو منهج الإمام الحسين (ع) في التربية الجهادية الثورية, وكيف جعل الأنصار والأصحاب ينهضون لأداء دورهم بكل اخلاص وحماس؟!
للإجابة عن هذا السؤال, لابد أن نحدد أولاً أهم عناصر المنهج الثوري عند الامام الحسين (ع) لنرى بعد ذلك كيف نهض الامام القائد به, وكيف ربى أنصاره وسيرهم عليه.
يمكننا أن نحدد أهم العناصر الأساسية لهذا المنهج بالآتي:
1- الوعي والتبصير ووضوح الهدف.
2- الإيمان المطلق بالقيادة والوفاء لها.
3- الإستعداد العالي للتضحية.
4- الانضباط التام.
هذه من وجهة نظرنا أهم عناصر المنهج الثوري عند الامام الحسين (ع), فلنتبين كيف كان (ع) يعد أصحابه ويربيهم وفق هذا البرنامج (المنهج).

الوعي والتبصير ووضوح الهدف

أولاً: الوعي والتبصير ووضوح الهدف
إن الوعي والبصيرة التي يجب أن يتحلى بها الانسان, أمر ضروري جداً لأي عمل أو دور, يريد أن يؤديه, فلايمكن للانسان السير في الطريق الى الهدف بدون تلكؤ أو تعثر, مالم يكن على بينة من أمره ووضوح في هدفه. واستناداً اليه, فقد وجدنا الإمام الحسين (ع) يحدد الهدف بوضوح, ويرسم للمجاهدين الطريق, ويتبين معالمه بوضوح أيضاً, قال الامام (ع):
أيها الناس, إني سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: من رأى منكم سلطاناً جائراً, مستحلاً لحرام الله, ناكثاً لعهد الله, مخالفاً لسنة رسول الله, يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان, فلم يغير عليه بفعل ولاقول, كان حقاً على الله أن يدخله مدخله. ثم قال مشيراً الى السلطة الأموية الغاشمة: الا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان, واستحلوا حرام الله واستأثروا بالفيء.
وهكذا حدد الإمام القائد الهدف, الذي يتمثل بضرورة إزالة مثل هذا الحكم المتسلط الجائر, واجتثاث الفساد, فيزيد – الحاكم الأموي – فاسق فاجر شارب للخمر ومعلن بالفسق.
وفي ضوء هذا, نرى انه لم يكن أمام الأصحاب والأنصار إلا الإطاحة به وتخليص البلاد والعباد منه. ثم إن الإمام القائد (ع) مع تحديده لهذا الهدف المباشر من حركته وثورته, إلا أنه يضع أنصاره وتابعيه, أمام مسؤولية أعظم, ويبصرهم بأنه, مع أهمية هذا الهدف, إلا أنه لاينبغي أن يكون هذا هو هاجسهم الأكبر, بل يجب أن تكون الاطاحة بالنظام المتسلط, تمهيداً لإقامة حكم الله بتحكيم شريعته, أي الاسلام العظيم, ولذلك صرح الامام الحسين (ع) قائلاً: إني لم أخرج أشراً ولابطراً ولامفسداً, وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف, وأنهى عن المنكر, وأسير بسيرة جدي وأبي... .
فالمطلوب تحديداً – هو الاصلاح الجذري وتحويل مسار الامة الى الاتجاه الصحيح, أي الى اتباع سيرة النبي (ص). ويتضح لدينا من هذين الخطابين, أن الامام (ع) في صدد تبصير النخبة المؤمنة وكذلك الجماهير, بالخروقات والتجاوزات التي ترتكبها السلطات الأموية الحاكمة ضد الاسلام وسيرة وسنة الرسول الأعظم. مما يضع الانسان المسلم, وجهاً لوجه أمام اختبار واحد لاغير, وهو أن يشهر السلاح فيقاتل لتغيير مثل هذا الواقع السياسي الفاسد, وليوطن المؤمن حينئذ نفسه في لقاء ربه. قال الامام عليه السلام:
ألا ترون الى الحق لايعمل به والى الباطل لايتناهى عنه, ألا فليرغب المؤمن في لقاء الله, فإني لاأرى الموت إلا سعادة, والحياة مع الظالمين إلا برما... .
وهنا في غمرة تهيئة ذهنية المسلم, ونفسيته للمواجهة الحاسمة مع النظام المتسلط, وتعبئته بهذا الاتجاه. فإن الإمام القائد عليه السلام, يذكر أصحابه باستمرار, بأن العمل الجهادي لايقتصر على مجرد الاصلاح أو تغيير النظام فحسب, بل يجب أن يكون الهدف دائماً أكبر من ذلك, وهو تحكيم شريعة الله تعالى, ولذلك وجدناه يقول:
وقد بعثت اليكم, بهذا الكتاب وأنا أدعوكم الى كتاب الله, وسنة نبيه, فإن السنة قد أميتت, والبدعة قد احيت... . ثم يقول عليه السلام في خطاب آخر:
ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان, وتركوا طاعة الرحمن, وأظهروا الفساد, وعطلوا الحدود, واستأثروا بالفيء, وأحلوا حرام الله, وحرموا حلاله.
وهكذا يظهر أن الامام الحسين (ع) يبصر المسلمين بأنه عندما تنحدر الأمور الى الحالة الموصوفة, فينكر المعروف, ويستمرىء الناس المنكرات, وينظر الى الحق فلايعمل به, والباطل لايتناهى عنه... فلابد حينئذ من الانتفاضة المسلحة, والثورة العارمة لإعادة الحق الى نصابه, ولايقاف حالة الإنهيار والتداعي في الامة, والانتفاضة المسلحة تعني الدخول في المواجهة الحاسمة مع النظام المتسلط, وهنا نجد الإمام القائد (ع) يحدث وعياً متزايداً ومهماً بما تتطلبه مثل تلك المواجهة المسلحة, فلنسمتع اليه يقول:
ياأهل الكوفة, أنتم الأحبة الكرماء, والشعار دون الدثار, جدوا في اطفاء ماوتر بينكم, وتسهيل ماتوعر عليكم, ألا وإن الحرب شرها مريع, وطعمها فظيع, فمن أخذ لها أهبتها, واستعد لها عدتها, ولم يألم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها, ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمين أن لاينفع قومه, وأن يهلك نفسه.... .
فها هنا نجد الامام القائد, يبصر الأتباع والأنصار باشتراطات المواجهة المسلحة مع النظام, بغية حصد النتيجة وقطف الثمرة المرجوة, أي الظفر والانتصار. ويتضح من كلماته عليه السلام وعباراته أن المطلوب – على وجه التحديد أولاً – هو أن يكون جميع الثوار والمنتفضين في وجه النظام المتسلط الجائر, على حالة من الصفاء والانسجام فيما بينهم, لأن هذا شرط أولي وأساسي لكسب المعركة. إن حالة الإنسجام تلك لايمكن أن تتحقق دون أن يكون بين الجميع تفاهم وتآلف, ودون أن يكونوا أيضاً على درجة واحدة من نكران الذات وتذويب الخصوصيات لحساب الهدف الأعظم. وعند ذاك كما يقول الإمام (ع): يسهل ماتوعر ويحصل الانسجام المطلوب.
ثم تبين الإمام بعد ذلك ويلفت الانتباه الى امور خطيرة في شأن المواجهة المسلحة, منها, ضرورة التبصر بأمر الحرب, وما قد تجره من ويلات وعذابات فطعمها فظيع. وهذا بالضرورة يقود الى أهمية أخذ الأهبة, واعداد العدة والعدد, ولكن الأهم من كل ذلك في تقدير الإمام القائد (ع) هو أن لايتعجل المجاهدون المواجهة قبل حلول الفرصة المناسبة, أي قبل نضوج الظروف الموضوعية للإنتفاضة المسلحة, أي أن من الضروري أولاً أن تصبح الانتفاضة أو الثورة حاجة مسلحة, وطلباً جماهيرياً جدياً وحقيقياً.
فلقد اجتمع زعماء المعارضة من أنصار الامام الحسين (ع) في الكوفة في بيت سليمان بن صرد الخزاعي, واستعرضوا الأوضاع السياسية والاجتماعية, وموت معاوية, وانتقال السلطة الى يزيد, وتباحثوا في ضرورة تحرك الامام الحسين (ع) وقرروا نصرته, والانضواء تحت قيادته وإمامته, وإعلان الولاء له ومكاتبته. وهنا نذكر نص آخر كتاب وصل الى الامام:
للحسين بن علي أمير المؤمنين, من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين (ع), أما بعد:
فإن الناس ينتظرونك, لا رأي لهم غيرك, فالعجل ياابن رسول الله, فقد اخضر الجناب, وأينعت الثمار, وأعشيت الأرض, وأورقت الأشجار, فأقدم علينا إذا شئت, فإنما تقدم على جند لك مجندة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك.
كما اجتمع ناس في البصرة في منزل امرأة من عبد القيس, يقال لها مارية بنت سعدة, وكانت تتشيع, وكان منزلها لهم مألفاً يتحدثون فيد. فعزم يزيد بن نبيط على الخروج الى الحسين (ع) وهو من عبد القيس. كما أجاب فريق من أهل البصرة كتاب الامام الحسين (ع), منهم يزيد بن مسعود الذي جمع بني تميم, وبني حنظلة, وبني سعد وحثهم على نصرة الحسين (ع) وحذرهم من الخذلان.
وكان سليمان بن صرد الخزاعي قد خطب فيهم قائلاً: إن معاوية قد هلك, وإن حسيناً قد تقبض على القوم ببيعة, وقد خرج الى مكة, وأنتم شيعته وشيعة أبيه, فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه, وتقتل أنفسنا دونه, فاكتبوا اليه واعلموه, وإن خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل. قالوا: بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه, فاكتبوا اليه واعلموه, وإن خفتم الفشل والوهن فلاتغروا الرجل. قالوا: بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه.
وحتى مع توافر هذا العامل المهم. فلا بد أيضاً من تهيئة مستلزمات الظفر والنصر. أي كسب المعركة. ومن جملة ذلك. بل على رأس الأولويات هو أن تتمتع الكوادر الجهادية بقوة رصد الأحداث. والقدرة على استكشاف الامكانات الخبيثة للعدو, تلك الامكانات التي قد يزج بها العدو في المعركة, والتحسب لها, مع امتلاك القدرة على فك أية تعقيدات يمكن أن تنشأ أثناء الحدث الثوري أو قبل وقوعه, وإلا فربما يؤدي ذلك الى النكوص والاحباط والفشل.
اننا نستكشف من خلال هذه التوصيات والبرامج التي وضعها الامام القائد, أنه (ع) كان يعد أتباعه وأنصاره, ويربيهم استناداً الى هذه الأساسيات التي تتمثل بالوعي المتزايد ووضوح الهدف, هذا من جهة, ومن جهة اخرى نستطيع أن نستكشف أيضاً أن الامام القائد (ع) كان يهيىء الأمور لمثل هذا المستوى, ويوفر العوامل الطبيعية للظفر.

الايمان المطلق بالقيادة والوفاء لها

ثانياً: الايمان المطلق بالقيادة والوفاء لها
لايمكن للانسان الذي يثور في وجه الواقع الفاسد, ويسعى الى تغييره ان يصل الى الهدف المعلن, مالم يؤمن بقيادة مؤهلة, ويكون وفياً لها. وأعني بها تلك القيادة الشجاعة التي تتصدى بكل جرأة لتحقيق هدف اسقاط السلطة وتسلم الحكم. إن من غير المتصور أن ينهض الجمهور دون قيادة شجاعة تدير دفة المعركة, وتحسن المناورة والمصاولة, كما أن من غير المتصور بلوغ الهدف من دون وجود العلاقة المذكورة بين الأتباع والقائد, فكما أن بعفويته وحماسته وجرأته لايتمكن من خوض المواجهة المسلحة بدون القيادة الشجاعة, كذلك القائد فهو لايستطيع أن يقود المنازلة حتى النهاية, بدون أن يكون الأتباع والأنصار على إيمان مطلق ووفاء تام لتلك القيادة, وإلا فإن الارتجالية والعفوية ستسود ساحة المواجهة, والخاسر فيها من يفتقد زمام السيطرة والتحكم في أتباعه وأنصاره وجماهيره. هنا وجدنا الامام الحسين (ع) يربي أتباعه, ويعبئهم روحياً وفكريا, ليكونوا على هذا المستوى من الايمان والوفاء. ونحن إنما نستطيع أن نطلق القول بذلك, إذا نظرنا الى الأنصار والأتباع في ساحة المواجهة, وفي ساحة اصطكاك الأسنة, وحتى مع عدم الرجوع الى مواقفهم, واسلوب منازلتهم الأعداء, فإن لنا في الوسام الذي قلده الامام الحسين (ع) إياهم, خير دليل, فقد قال (ع) في حقهم: إني لاأعلم أصحاباً أوفى من أصحابي... وكفى بذلك دليلاً وبرهاناً على ماقلناه. ولو لا تلك التربية, وذلك الاعداد الروحي والنفسي والفكري, لما وصلوا الى مثل هذه المرتبة من الاستعداد لنيل الشرف والكرامة, ولما استحقوا مثل هذا الوسام الرفيع من سيد الشهداء الامام القائد الحسين بن علي (ع).
إن الرجوع الى ملاحم بطولاتهم, وجرأة مواقفهم وعظيم صبرهم في عرصة كربلاء مايزيد هذا البرهان سطوعاً, وهذه الحقيقة جلاءً, وفي هذه النقطة لاأرى ضرورة لسرد ملاحم البطولة التي سجلها الأنصار الأبطال, فهي من الشهرة بمكان, ومن الشيوع والانتشار مما لانحتاج الى بيانه في اثبات هذا المطلب, ولكن اكتفي بهذا الموقف:
طلب الإمام الحسين (ع) من أصحابه التفرق عنه لأن القوم لايريدون غيره, فقام سعيد بن عبد الله الحنفي فقال: لاوالله ياابن رسول الله, لانخليك أبداً حتى يعلم الله أنا قد حفظنا فيك وصية رسول الله محمد (ص) ثم قال: والله, لو علمت أني اقتل فيك ثم أحيا ثم أحرق ثم أذري يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقي حمامي دونك... وقال زهير ابن القين: والله ياابن رسول الله, لوددت أني قتلت ثم نشرت ألف مرة, وان الله يدفع بذلك القتل عن نفسك... وقال مسلم بن عوسجة مثل ذلك: لاافارقك أو أموت معك.

الاستعداد العالي للتضحية

ثالثاً: الاستعداد العالي للتضحية والانضباط التام
إن الانسان الذي يضع نصب عينيه هدفاً كبيراً وعظيماً, لابد ان يحسب حسابه للتضحية والاستعداد العالي للتحمل في سبيل الوصول الى مثل هذا الهدف. ومن هنا كان لابد للقائد التاريخي الذي يتحمل مسؤولية تاريخية عظمى, ويريد النهوض بأعباء الثورة العارمة, لابد ان يثير اصحابه, ويستفز فيهم كل دواعي الاستعداد للتضحية, وأعلى درجات القدرة على التحمل والصبر, أي الصبر على حر السلاح وملاقاة الحتوف. وهذا مافعله الإمام القائد (ع) تماماً. وكما يظهر من خطاباته وتوصياته, أنه كان يعد اصحابه, ويربيهم على هذه المعاني, فلنسمعه في قوله (ع):
أيها الناس, إنما جمعتكم على أن العراق لي, وقد أتاني خبر فظيع عن ابن عمي مسلم يدل على أن شيعتنا قد خذلتنا, فمن أحب أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام.
هكذا اذن بكل وضوح وصراحة, وبجرأة وشجاعة القائد التاريخي الذي لاتزيده كثرة الناس حوله شجاعة, ولاقلتهم ضعفاً وتراخياً عن هدفه. يقف الامام (ع), واضعاً حقيقة الموقف وأبعاده وملابساته, وكل مايكتنفه من ظروف ومستجدات, يضع كل ذلك أمام الأتباع والأنصار. إنها إذن المواجهة الحاسمة والمصيرية التي تطير فيها الرؤوس, وتكون الأجساد عرضة للطعن وهدفاً للسيوف. إنها المواجهة التي يقبل فيها الناصر ويتكاثر المتخاذلون, ويقعد فيها الناس, فلا يتصدى, ولاينهض حينئذ إلا من وطن نفسه على المنيتة, ووضع روحه على راحته, لايبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه.
اننا نستفيد من هذه الخطبة, أن القائد التاريخي لايتردد في اطلاع واعلام من معه, في حركته الجهادية على حقيقة الموقف أولاً بأول, دون مواربة ولاتضليل ولاخداع, واننا نلمس بكل وضوح, أن الامام الحسين (ع), اعتمد مبدأ المصارحة, فهو منذ اللحظة الأولى قد صارحهم بما سيؤول اليه الأمر من قتله وقتل من معه من أهل بيته. وبذلك وضع الموت أمامهم على أنه الحقيقة التي عليهم مواجهتها والاستعداد الكافي لها. فقد قال مثلاً منذ لحظة انظلاقته, وبدء مسيرته الجهادية:
خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة, وماأولهني الى اسلافي, اشتياق يعقوب الى يوسف, وخير لي مصرع أنا لاقيه, كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء... لامحيص عن يوم خط بالقلم, رضى الله رضانا أهل البيت, نصبر على بلائه, ويوفينا اجور الصابرين.
إذن, هو يتحدث بكل صراحة عما سيلاقيه, لايماري ولايخادع, ومع ان هذا الامر – كما أشرت – كثير ماتحدث عنه الامام (ع) مع أصحابه, وفي مناسبات عديدة, ومواضع جمة, فإنه لم يكتف بذلك, بل واجه أصحابه ليلة العاشر من المحرم مواجهة أكثر صراحة, فلربما مايزال في ذهن أحد منهم احتمال آخر غير ملاقاة الموت والشهادة, فجمعهم وقال:
ياقوم, أعلم أنكم خرجتم معي بعلمكم أني أقدم على قوم بايعونا بألسنتهم وقلوبهم, وقد أنعكس القلم, واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله, والآن لم يكن لهم مقصد إلا قتلي وقتل من يجاهد بين يدي وسبي حريمي بعد سلبهم, وأخشى أنكم ماتعلمون وتستحيون, والخداع عندنا أهل البيت محرم, فمن كره منكم ذلك فلينصرف, فالليل ستير, والسبيل غير خطير, والوقت ليس بهجير, ومن آسانا بنفسه, كان في الجنان نجياً من غضب الرحمن... .
وبعد هذا التصريح والمكاشفة, نجد موقف الأنصار والأتباع يثلج الصدر وينم عن مدى تأثير التربية الجهادية والروحية التي استطاع الامام الحسين (ع) أن يزرعها فيهم. نعم, نجدهم يشهرون سيوفهم من أغمادها, ويتجمعون حوله مصرين على الجهاد, والذب عن حرم رسول الله (ص) غير هيابين ولا وجلين, فقد امتلأت نفوسهم رضىّ, بنصرة ابن بنت نبيهم والموت دونه. فلما رآهم الإمام (ع) على هذا المجال, حمد الله وأثنى عليه, ثم قلدهم وسام الشرف الأبدي والكرامة الخالدة بقوله: إني لاأعلم أصحاباً أوفى من أصحابي...
ومع كل ذلك, أي مع تصريحهم بموقفهم واستيثاق الإمام (ع) منه, إلا أنه لم يترك فرصة إلا واهتبلها, لتأكيد ضرورة الصبر في المواجهة والثبات في وجه العدو حتى النهاية, أي حتى بذل آخر قطرة دم. وهكذا, فعندما أصبح صباح اليوم العاشر من المحرم خطبهم عقب الصلاة قائلاً:
إن الله تعالى قد أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم, فعليكم بالصبر والقتال.... .
ومن هنا يتأكد لدينا, أن الإمام الحسين (ع) مع يقينه وعلمه بمقتله ومقتل من معه, لم يهن, ولم يضعف, وكان هو وأصحابه الميامين على أعلى درجات الاستعداد للتضحية والفداء في سبيل نصرة الدين القويم, وابقاء جذوته متقدة أبد الآبدين.

الانضباط التام

الانضباط التام:
يعد الانضباط التام مسألة جوهرية في آية مواجهة مسلحة, والانضباط بمفهومه, هو الإلتزام الصارم بتوجيهات القيادة وأوامرها, وبدونه فإن الارباك والفوضى والانفلات, ستسود في الطرف الذي لايلتزم بمثل ذلك الانضباط المطلوب. وهو مايؤدي الى الانكسار والفشل. ولكن الانضباط لايسود عادة وتكون له الأولوية اعتباطاً, بل إن ذلك يتحقق عبر ممارسات جادة واختبارات معقدة, ومن خلال النمو المتزايد للشعور العالي بالمسؤولية والايمان المطلق بالقيادة. وهنا نجد حالة الانضباط بالصورة التي ذكرناها قائمة أثناء المواجهة المسلحة في الجبهة التي يقودها الإمام الحسين (ع) مع تأثير فرص الانفلات في الجبهة المعادية. فنحن نجد الأنصار ينقادون لتوجيهات الامام (ع) وأوامره, ويخضعون لها بكل اخلاص ونكران ذات, على الرغم من وجود حالة الغليان والحماس وعشق الشهادة... وهذه تعد من العوامل, التي ربما تقود الانسان الى التصرف والاندفاع, بعيداً عن التوجيهات الصارمة للقيادة, ولعل الأمثلة على ذلك في واقعة الطف كثيرة, ولكن ربما يثور هنا سؤال هو:
كيف يمكن أن نقوم موقف أحد الأنصار الأبطال – عابس الشاكري – عندما ينزل الى ساحة المعركة, فيرمي سيفه, وينزع درعه ثم يواجه القوم الأعداء, على كثرة عددهم أعزل, إلا من صلابة الايمان وقوة الأعصاب ورباطة الجأش؟! إن هذه الصورة في الوقت الذي تؤشر الى حالة العشق للشهادة, وحالة الذوبان في الامام الحسين (ع), إن هذه الصورة هي تجسيد للإقدام البطولي والاستماتة في سبيل الحقوالتي أظهرها هذا البطل, إنها الصورة التي أرعبت العدو وأربكته, وأظهرت مدى أحقية الامام (ع) في موقفه الذي اتخذه, كما انها سجلت صفحة نادرة في سجل ملحمة كربلاء الخالدة, يترسمها الأبطال والمجاهدون على مدى التاريخ. إن مثل هذه الصور الرائعة لانجدها في معسكر الأعداء. في الجبهة المعادية للحق والاسلام, بل نستطيع جبهات الباطل أن تقدم صورة واحدة من هذا القبيل, وليس بإمكانها أن تفرز مثل هذه الصور الخالدة من البطولة النادرة والشجاعة الفذة, بينما نستطيع العثور على عشرات بل مئات الصور من مثل جبهة صراع الاسلام مع قوى الكفر والضلال على طول التاريخ, ولاينبغي ان نستغرب ذلك, لأن الانسان بطبعه, لاتهون عليه حياته ودمه إلا عندما يدرك, أن الغاية عظيمة والهدف هو لله, والثواب والعوض أعظم. وهذا لايتوافر إلا في جبهة الحق والدين, وإلا تحت حماة الدين.
بقلم: د. طه الديواني

الروابط
مواقع الإنترنيت: مؤسسة البلاغ
مفاتيح البحث: خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي،
خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة،
السبى،
كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء
المواضيع: تاريخ أهل البيت
الواحات: الواحة الحسينية

الفهرسة