غياب النزعة القبلية في الثورة الحسينية
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » غياب النزعة القبلية في الثورة الحسينية

 البحث  الرقم: 36  التاريخ: 1 ذو الحجّة 1429 هـ  المشاهدات: 4641
قائمة المحتويات

غياب النزعة القبلية في الثورة الحسينية

مقدمة في منهجية الفكر الاسلامي:
حرر الفكر الاسلامي المجتمعات من النظرة التجزيئية التي لاتربط التكوينات الاجتماعية في عقيدة واحدة، والتي كانت تسمح بأن تصبح المكونات الاجتماعية بنى متباعدة تتشكل علاقاتها على مبدأ الصراع والغلبة، وحتى عندما حاول هاشم الجد الاكبر للرسول الخاتم صلوات الله عليه وآله ان يوحدها في ظل الحفاظ على ترابط يحمل قِـيَماً عُليا استنادا الى البيت العتيق، وعبر ترتيب علاقاتها الاقتصادية من خلال رحلتي الشتاء والصيف، فان النزعة القبلية بقيت هي العامل المؤثر في ترتيب العلاقات بشكل عام.
ولهذا عندما ظهر الفكر الاسلامي طرح منهجية مخالفة لما اعتادت عليه القبائل العربية المتناثرة في صحراوات الرمل، فقد استطاع الفكر الرسالي تحليل شخصية المجتمع القبلي انطلاقا من مفاهيم تكرس وحدة المجتمع وإن تباينت مواقفه من قضية ما. وقد ادرك صاحب الرسالة السماوية ان الاشكالية تكمن في جذور البناء القبلي من جهة اعتباره تكوينا مغرقا في الذاتية وتحتل الرؤى الطاغوتية فيه مساحة واسعة في اخضاع المجتمع لهيمنة سطوة المال والقوة، ومن هنا سعى الفكر الرسالي الى تجريد المجتمع من نزعته القبلية لصالح قيمة اعلى. فطرح معيارية تتفق والمنهج العقلي من جانب وقادرة على تحريض النفس من جانب آخر فقال سبحانه: يايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله علم خبير الحجرات/13. فهذا الخطاب الالهي يضع قيم المعيارية الرسالية في تحديد العلاقة بين الانسان والله، وهذا المعيارية لم تتخذ القوة او الثروة ولا السلطة والوجاهه لتكون معياريا لقيمة الانسان، بل جعلت التقوى والتي هي اعلى درجات الايمان لتكون المعيار الحقيقي لعلاقة الانسان بالخالق. إذن هي لم تتخذ معيارا ماديا، ولكنه تبنت معيارا معنويا يتحدد وفق المنهج الرسالي، هذا المنهج الالهي سعى الى تحرير الانسانية من النزعة القبلية والنظرة الذاتية وتخليصها من الحالة الانية، لينتقل بها الى مسارات كونية وتجليات روحية يصبح للانسان من خلالها موقعا حقيقيا في حركة التاريخ.
الثورة بين العقيدة والقبيلة:
اراد الامام الحسين عيه السلام ان يعيد ترتيب العلاقة بين العقيدة والمجتمع بعد تفشي الانحراف الفكري والابتعاد عن المنهج الرسالي، ولما كانت العقيدة الاسلامية تنحو منحاً كونياً وهي لاتقف عند حد الانسان الفرد في تطلعه المستمر نحو التعالي كما هي عليه السنن الالهية، فان الامام الحسين وكما جده الرسول من قبل حين سعى لانتزاع العقل من النظرة القبلية، والارتفاع به ليكشف عن عظميم مكنوناته التي اودعها الله فيه، فالامام الشهيد حاول انتزاع الفكر من الاسلوب القبلي الذي طرحته السقيفة من قبل، ومن هنا كانت نهضته دعوة للانسانية للخروج من ضحالة الفكر الاني الى سمو التجلي الكوني. وهنا نتذكر راي الباحثة البريطانية (فريا ستارك) إذ تقول: إن مأساة الحسين تتغلغل في كل شيء حتى تصل الى الأسس . فهذا التغلغل يشكل اتجاها منطقيا وعقلانيا في ثورته المباركة باعتبارها لاتقف عند رؤيا محددة، ولكونها تطرح مفهوما يرسم علاقة الانسان بالحياة من جانب، وبالمنهج الرسالي من جانب آخر. وهذا الاتجاه يكشف حقيقة أسباب الثورة الحسينية باعتبارها لاتتبنى اهدافا دنيوية، ولم تتخذ في تطوراتها منحاً سياسيا، بل ان الجانب العقائدي يشكل المنهج الوحيد الذي سعى الى تحقيقه الامام الشهيد، وهنا نقرأ موقف الكاتب (جارلس ديكنز) في قوله: إن كان الامام الحسين قد حارب من اجل اهداف دنيوية فانا لا ادري لماذا اصطحب معه النساء والصبية والاطفال؟ إذن فالعقل يحكم انه فقط ضحى من اجل الاسلام . لاشك ان التضحية التي قدمها الامام الحسين عليه السلام لا تحتكم الى المنهج القبلي باعتبار كونية الفكر الاسلامي وشموليته اللامتناهية، أذ لايمكن حصر الاسلام فكرا وعقيدة في فئة او قبيلة ما، ولا مساحة جغرافية اوتاريخ ما.
اراد الامام الحسين ان يستعيد الانسان موقعه الحقيقي في حركة التاريخ، وان يكون فعله ايجابيا في التطلع الرسالي نحو الاخرة. اراد ان يعيد للانسانية اعتبارها كحاملة للفكر الرسالي، وان يوحد البناء الاجتماعي عبر المشروع النهضوي داعيا الى الخلاص من ظلامية الطاغوت.
لاشك ان الامام الحسين قد استطاع ان يجسد العلاقة بين الانسان والعقيدة حد الاستشهاد، فتمكن ان يؤسس لمواجهة نوعية بين الانسان وذاته عبر منح الانسانية قيمة شرعية وتاريخية، تنحو منحا مستقبليا لتتمكن الانسانية من اعادة اكتشاف ذاتها بشكل مجرد من النزعات الآنية، اوالمرجعيات القبلية، حيث لاقيمة للشكل القبلي امام قيم الشهادة، ولامعنى لمفاهيم الفكر المتردي امام التعالي، فالثورة الحسينية حررت المجتمع من امكانية النكوص المستقبلي، فلاحجة للفكر في العودة الى النهج القبلي بعد تبيان الحقيقة في اسمى تجلياتها، ولا حجة في الاتكال على الشخصنة عندما يخرج الامام بنفسه للجهاد معلنا ان قيمة الانسان تتجلى عبر قيمة الفعل، فالفعل الذي يترك بصمته على حركة التاريخ هو بالتالي عنوان للانسان في ارقى تجلياته بحثا عن الحقيقة. ففي تبيان مفاهيم الصراع بين القيم الكونية وتلك القبلية، استطاع الامام الحسين عليه السلام أن يسحق بنهضته كل الاشكال القبلية التي ظل المجتمع متشبثا بها ولم يتمكن من الخروج من قيعان ضحالتها ويرتقي في سماءآت الفكر الرسالي.
بناء المجتمع الثوري:
لايمكن لاي مصلح ان يطرح مشروعا مستقبليا يحمل قيما كونية وينظر لمستقبل الامة اذا اتكل في بناءه الاجتماعي على العائلة فقط او القبيلة، قد يمكن ان نجعل من هؤلاء نواة للبناء القادم، لكن الفكر الاصلاحي في منهجه الموضوعي يدرك الحاجة الى طرح المشروع الحضاري على قاعدة اوسع، وهذا ما سار عليه الرسول الخاتم، فقد دعى اهل بيته من بني هاشم ليبلغهم برسالته السماوية وليكونوا نواة للبناء المستقبلي، والحسين اصطحب اهل بيته عليهم السلام ليكونوا نواة للمشروع الاستشهادي، وليدرك من آمن به وبمشروعه، انه لم يعلن نهضته الثورية ليجعل من الاخرين شهداء وليحتفظ باهل بيته بعيدا عن القتل، ولاشك ان الان الامام الحسين يدرك قيمة حرية الانسان، ومن هنا كان السماح لهذه الثلة المؤمنة بمرافقته في مشروعه النهضوي تعتمد على قيمة الانسان نفسه ككائن حر يحمل اختياره الذاتي، وهكذا لم يوثق لنا التاريخ عبر حركته الطويلة ان الامام الحسين قد اجبر احد على اتباعه في مسيرته المباركة، لقد اكتفى الامام بتبيان قيمة الامامة باعتبارها تطبيقا حقيقيا لقضية الجعل الالهي، كما كشف قيمة الخلافة في قيادة الامة وتحريرها من جاهلية الفكر المنحرف عن المنهج الرسالي، فقد وضع المجتمع امام مسؤوليته في التعامل مع مدعي الخلافة وسعي هؤلاء لمسخ العقيدة وتضييع الشريعة، فالمقارنة التي اوجدها الامام الحسين عليه السلام ترتكز على الحق الالهي وهي لا تطرح مشروعا آنيا بقدر انها تشكل بناءا مستقبليا يعيد الانسانية الى المسار الصحيح.
لم يكن المشروع الحسيني يتبنى فكرا تجريبيا مستغرقا في آنيته، كما انه لم يكن منقطعا عن الواقع المأساوي الذي أسست له السقيفة منذ ان تخلت عن النص لصالح الفكر القبلي، ولهذا كانت ثورته عليه السلام تمثل مستقبل الفكر الاسلامي بقيمته الكونية. لقد استطاع التجرد الحسيني ان يطبع ثورته المباركة بالطابع العالمي كما هي تمثل ارقى اشكال النهضات الاصلاحية على مسار التاريخ. لاشك ان ثورة الامام الحسين عليه السلام شكلت اهم انواع الصراع الفكر المتعالي والفكر الانحطاطي، ففي الوقت الذي تبنت فيه مدرسة السقيفة قيما متدنية لتجعلها قيما عليا، نجد ان الفكر الرسالي كان قد أسِّس من البدايةعلى تبني قيما سماوية ترسم علاقة التكوين بالمكون، فالبعد الغيبي في المشروع الحسيني يبقى تعبيرا عن قيمة ارتباط الامة بالتعالي، ومن هنا كانت الثورة النهضوية للامام الشهيد تمثل طاقة قيمية ومفاهيمية لا تنفد، فالامام الحسين عليه السلام عايش الاسلام معايشة مبدئية تتجاوز في قيمتها المفاهيم العقائدية أو الاجتماعية المتوارثة، كما انه سعى الى تحرير المجتمع الاسلامي والانسانية من عبثية اللاعقلانية التي طرحها قصر يزيد، فكانت نهضته تنهج نهجا واقعيا ينطلق من حاجة الانسان الى التحرر من رق عبودية الذات.
فغياب النزعة القبلية والنظرة المحلية الضيقة في النهضة الحسينية لم تأت من فراغ بل كانت جزءا من مشروع اعادة بناء الشخصية الاسلامية.
بقلم: الدكتور وليد سعيد البياتي
المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية

الروابط
مفاتيح البحث: الفكر المتعالي والفكر الانحطاطي في الثوره الحسينيه،
علاقة الانسان مع الله،
فريا ستارك الباحثه البريطانيه ومأساة الحسين،
الثوره الحسينيه بين العقيده والقبليه،
اصطحاب الحسين للنساء والاطفال،
الثوره الحسينيه والتحرر من رق العبوديه،
...
الواحات: الواحة الحسينية

الفهرسة