دوافع الحروب الصليبية على البلاد الإسلامية (2)
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » دوافع الحروب الصليبية على البلاد الإسلامية (2)

 البحث  الرقم: 508  التاريخ: 25 ذو القعدة 1429 هـ  المشاهدات: 6667
قائمة المحتويات

الدافع الاقتصادي

أثبتت الأبحاث الحديثة دور العامل الاقتصادي وأهميته في تحريك العديد من الهجرات والحروب الهامة في التاريخ، ونحن مع اعترافنا بوجود بواعث عديدة للحركة الصليبية نؤكد على أهمية العامل الاقتصادي في تلك الحركة، ذلك أن جميع الوثائق المعاصرة تشير إلى سوء الأحوال الاقتصادية في غرب أوروبا ـ وبخاصة فرنسا ـ في أواخر القرن الحادي عشر. فالمؤرّخ المعاصر جيوبرت نوجنت Guibert Nogent (1) يؤكد أنّ فرنسا بالذات كانت تُعاني من مجاعة شاملة قبيل الدعوة للحملة الصليبية الأولى، بحيث ندر وجود الغلات وارتفعت أثمانها ارتفاعاً فاحشاً، مما ترتب عليه حدوث أزمة في الخبز. وفي ضوء هذه الحقيقة يمكننا أن نفسّر لماذا كانت نسبة الصليبيين الفرنسيين المشتركين في الحملة الصليبية الأولى أكبر من الوافدين من أيّ بلد آخر في غرب أوروبا.
ومهما يقال من أن هذه الأزمة كانت مفتعلة، افتعلها التجار المستغلون ـ وجلّهم من اليهود ـ، فالذي يهمنا هو أنه كانت هناك أزمة اقتصادية فعلاً في الغرب الأوروبي وراء الدعوة للحملة الصليبية الأولى، وأن هذه الأزمة ألجأت الناس إلى أكل الأعشاب والحشائش (2)، وزاد من سوء الأحوال الاقتصادية في الغرب الأوروبي في ذلك الوقت كثرة الحروب المحلية بين الأمراء الإقطاعيين، وهي الحروب التي لم تنجح الكنيسة أو الملوك في وقفها، مما أضرّ بالتجارة وطرقها والزراعة وحقولها أبلغ الضرر. وهكذا جاءت الحروب الصليبية لتفتح أمامَ أولئك الجوعى في غرب أوروبا باباً جديداً للهجرة، ولم يكن عجباً أن ضمّت الحملة الصليبية الأولى جموعاً غفيرة من المعدمين والفقراء والمساكين وطريدي القانون، وجميعهم كانوا يفكرون في بطونهم قبل أن يفكروا في دينهم، بدليل ما أتوا به طوال طريقهم إلى القسطنطينية من أعمال العدوان والسلب والنهب ضد الشعوب المسيحية التي مرّوا بأراضيها، مما يتعارض مع أيّ وازع ديني.
ثم إن الباحث في تاريخ الحركة الصليبية يلحظ حماسة منقطعة النظير من جانب المدن التجارية ـ في إيطاليا من الغرب الأوروبي ـ للمساهمة في تلك الحركة، سواءً بعرض خدماتها لنقل الصليبيين عن طريق البحر إلى الشرق أو في نقل المؤن والأسلحة وكافة الإمدادات إلى الصليبيين بالشام، وهنا أيضاً نستطيع أن نقرر أن جمهوريات إيطاليا البحرية لم تكن مدفوعة إلى تقديم تلك المساعدات للصليبيين بوازع ديني، وإنما جرت وراء مصالحها الاقتصادية الخاصة (3).
والواقع أن الصليبيين بالشام لم يكن بإمكانهم الاستغناء عن مساعدة أساطيل (الثلاثة الكبار) ـ البندقية وجنوى وبيزا ـ، حيث أن هذه الأساطيل قامت بدور فعّال في ربط الشام (الصليبية) بالغرب الأوروبي، وإذا كانت هذه الجمهوريات الايطالية قد قدّمت المساعدة المطلوبة للصليبيين، فإنها لم تفعل ذلك إكراماً للكنيسة، وإنما مقابل معاهدات عقدتها مع القوى الصليبية بالشام، وحصلت بمقتضاها على امتيازات اقتصادية هامة (4).
وهكذا اصطبغت الحركة الصليبية من أول أمرها بصبغة اقتصادية استغلالية واضحة، فكثير من المدن والجماعات والأفراد الذين أيدوا تلك الحركة وشاركوا فيها ونزحوا إلى الشرق، لم يفعلوا ذلك لخدمة الصليب وحرب المسلمين، وإنما جرياً وراء المال وجمع الثروات وإقامة مستعمرات ومراكز ثابتة لهم في قلب الوطن الإسلامي، بغية استغلال موارده والمتاجرة فيها والحصول على أكبر قد ممكن من الثروة. حقيقة إن الاستعمار بمعناه الحديث لم تتضح معالمه إلاّ بعد الانقلاب الصناعي في القرن الثامن عشر، ولكن في العصور الوسطى كانت الحروب الصليبية (أول تجربة في الاستعمار الغربي قامت بها الأمم الأوروبية خارج حدود بلادها، لتحقيق مكاسب اقتصادية واسعة النطاق)، وذلك على قول أحد المؤرخين المحدثين (5).
وليس أدلّ على سيطرة النزعة الاستعمارية الاستغلالية على عقول كثير ممن ساهموا في الحركة الصليبية، مما نشأ من تلك المنازعات والمخاصمات، بل الحروب الأهلية التي نشأت بين الصليبيين أنفسهم في بلاد الشام، وقد استمرت هذه الحروب وبخاصة بين الثلاثة الكبار ـ البندقية وجنوى وبيزا ـ في أشد الأوقات حرجاً بالنسبة للصليبيين، أي في النصف الأخير من القرن الثالث عشر، عندما تساقطت مواقع من تبقّى من الصليبيين بالشام في أيدي المسلمين الواحدة بعد الأخرى.
وعبثاً ذهبت صيحات العقلاء من البابوات ورجال الدين وملوك قبرص ليوحّد الصليبيون صفوفهم، فالمنافسات التجارية والخصومات المادية بين الصليبيين الاستعماريين أنفسهم كانت أعمق جذوراً وأقوى أثراً من شعور الولاء للدين والكنيسة (6).

الدافع الاجتماعي

تألّف المجتمع الأوروبي في العصور الوسطى من ثلاث طبقات:
طبقة رجال الدين (من الكنيسة والديريين).
طبقة المحاربين (من النبلاء والفرسان).
طبقة الفلاحين (من الأقنان ورقيق الأرض).
وكانت الطبقتان الأوليان تشكلان أقلية تمثل في مجموعها الهيئة الحاكمة من وجهة النظر السياسية والارستقراطية السائدة، في حين ظلّت طبقة الفلاحين تمثل الغالبية المغلوبة على أمرها، والتي كان على أفرادها أن يعملوا ويشقوا ليسدوا حاجة الطبقتين الأوليين (7).
وكان معظم أولئك الفلاحين من العبيد والأقنان الذين ارتبطوا ارتباطاً وراثياً بالأرض التي يعملون عليها وقضوا حياتهم محرومين من أبسط مبادئ الحرية الشخصية، فكل ما يجمعه القن يعتبر ملكاً خاصاً للسيد الإقطاعي، لأن القن محروم حتى من الملكية الشخصية (8).
ثم إن أولئك الفلاحين عاشوا مثقلين بمجموعة ضخمة من الالتزامات والخدمات، فكان عليهم أن يقدّموا خدمات معينة للسيد الإقطاعي مثل فلاحة أرضه الخاصة، فضلاً عن تسخيرهم في أعمال شاقة مثل إنشاء طريق أو حفر خندق أو إصلاح جسر.
كذلك كان على الفلاحين دفع مقرّرات معينة مثل ضريبة الرأس التي يتعين على كل قن دفعها سنوياً رمزاً لعبوديته، هذا عدا عن الضرائب الأخرى، وهكذا ظلت الغالبية العظمى من الناس في غرب أوروبا يحيون حياة شاقة مليئة بالذلّ والهوان، وكان ذلك في الوقت الذي علت فيه الدعوة للحرب الصليبية، فوجدت تلك الألوف من البؤساء في الغرب الأوروبي فرصتها قد حانت للتخلص مما كانت تعيش فيه من الذّل ونكد الدنيا، فالموت كان أحبّ إليهم من حياة الجوع والذّل والعبودية (9).

الدافع السياسي

ولكن إذا كانت الفاقة والحرمان والذلّ والهوان هي التي دفعت الغالبية العظمى من الصليبيين إلى الترحيب بالدعوة الجديدة والمشاركة في الحركة الصليبية بحثاً عن حياة أفضل، فما هو الدافع الذي دفع عدداً لا بأس به من ملوك أوروبا وأمرائها وفرسانها للمشاركة في تلك الحركة؟!
أما عن ملوك الغرب الذين شاركوا في الحروب الصليبية مثل فردريك بربروسا وريتشارد قلب الأسد وفيليب أوغسطس وفردريك الثاني، فيثبت التاريخ أن معظمهم لم يخرج من بلاده لحرب المسلمين إلا تحت ضغط البابوية وإلحاحها بل تهديدها.
وربما كان هذا الحكم بعيداً عن الصحة في حالة واحدة، هي حالة لويس التاسع ملك فرنسا الذي اشتهر بورعه وتقواه، أما من عداه فإن تاريخ البابوية وتاريخ غرب أوروبا وتاريخ الحركة الصليبية يشهد على السفارات العديدة التي دأب البابوات على إرسالها بين حين وآخر إلى ملوك أوروبا، يلحون عليهم في الخروج على رأس جيوشهم إلى الشرق لمحاربة المسلمين (10).
وإن من يدرس تاريخ الغرب الأوروبي في تلك الفترة من العصور الوسطى يعرف جيداً مدى قوة البابوية وعظم سلطانها، فأي ملكٍ من ملوك الغرب كان لا يستطيع أن يعصي لها أمراً أو يردّ لها طلباً، وإلاّ تعرّض للحرمان والطرد من الكنيسة ورحمتها، فلا يستطيع الاحتفاظ بعرشه أو بولاء شعبه.
وأبرز مثل لدينا الإمبراطور فردريك الثاني، الذي أخذ البابوات واحداً بعد آخر يلحون عليه في الخروج على رأس حملة صليبية إلى الشرق ضد المسلمين، ولم يجد الإمبراطور دافعاً يدفعه للقيام بتلك الخطوة، فظلّ يماطل مرة بعد أخرى والبابوية تتوعدّ وتهدّد، حتى أصدرت ضده قرار الحرمان (11)، وعندئذ خرج الإمبراطور ـ مكرهاً ـ على رأس فئة قليلة من رجاله قاصداً الشام، وبادر بمجرد وصوله إلى الاتصال بالسلطان الكامل الأيوبي ليشرح له موقفه وبأنه ليس له غرض في القدس ولا غيره، وإنما قصد حفظ ناموسه عند الفرنج! (12).
هذا عن الملوك، وأما الأمراء الذين ساهموا في الحركة الصليبية فمعظمهم كانوا يجرون وراء أطماع سياسية لم يستطيعوا إخفاءها قبل وصولهم إلى الشام وبعد استقرارهم فيها، والمعروف أن النظام الإقطاعي ارتبط دائماً بالأرض، وبقدر ما يكون الإقطاع كبيراً والأرض واسعة بقدر ما تكون مكانة الأمير سامية في المجتمع، وقد أدّت طبيعة النظام الإقطاعي في الغرب الأوروبي إلى وجود عدد كبير من الفرسان والأمراء بدون أرض، لأنه من القواعد الأساسية في هذا النظام أنّ الابن الأكبر وحده هو الذي يرث الإقطاع، فإذا مات صاحب الإقطاع انتقل الإقطاع بأكمله إلى أكبر أبنائه (13)، ومن الواضح أن هذا المبدأ يعني بقاء بقية الأبناء بدون أرض.
وكان أن ظهرت الحركة الصليبية لتفتح باباً جديداً أمام ذلك النفر من الأمراء والفرسان المحرومين من الأرض في غرب أوروبا، فلبّوا نداء البابوية وأسرعوا إلى المساهمة في تلك الحركة، لعلّهم ينجحون في تأسيس إمارات لأنفسهم في الشرق تعوّضهم عما فاتهم في الغرب. كذلك سنرى أنّ الصليبيين بعد أن استقروا في بلاد الشام كثيراً ما دبّ الخلاف فيما بينهم حول حكم إمارة أو الفوز بمدينة، وعبثاً حاولت البابوية أن تتدخل لفض بعض تلك المشاكل ولتذكّر الأمراء الصليبيين بالشام بأنّ المسلمين يحيطون بهم، وبالتالي فالواجب يستدعي تضامنهم لدفع الخطر عن أنفسهم، ولكن تلك الصيحات ذهبت مع الريح لأنّ هدف الأمراء كان ذاتياً سياسياً ولم يكن يهمّهم كثيراً رضا البابا أو سخطه (14).
يضاف إلى ذلك كله عامل آخر شجع كثيرين من فرسان الغرب الأوروبي على المشاركة في الحركة الصليبية، ذلك أنّ النظام الإقطاعي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالفروسية والحرب وإظهار الشجاعة، وأنّ حياة السلم كانت تعني البطالة بالنسبة لمحاربين محترفين لا عمل إلا القتال والحرب. وعندما كثرت الحروب الإقطاعية وهدّدت المجتمع الغربي تهديداً خطيراً، تدخلت البابوية ونادت بما يعرف باسم (هدنة الله)، وهي أوقات معلومة يحرّم فيها القتال. وعندئذ بحث الفرسان الغربيون عن ميادين جديدة يستعرضون فيها عضلاتهم، فابتكروا المبارزة، ولكن المبارزات بين الفرسان كانت تتم بطريقة تمثيلية استعراضية استهدفت إظهار أكبر قسط من المهارة بأقل قدر من الإصابات وإراقة الدماء (15).
لذلك لم يقنع الفرسان بتلك الوسيلة، حتى إذا ما ظهرت الدعوة الصليبية فتحت أمامهم باباً واسعاً لإظهار شجاعتهم والتعبير عن مواهبهم الحربية، بغضّ النظر عما في المشاركة في تلك الحركة الجديدة من سعي مشكور وذنب مغفور (16).

الهوامش

1ـ هو رئيس دير نوجنت Nogent/ راجع حول ذلك السيد الباز العريني: / مؤرخو الحروب الصليبية/ ص 45.
2ـ Thompson: /Vol 1/P 392.
3ـ سعيد عاشور الحركة الصليبية: / ج 1/ ص 34، 35/ القاهرة 1963.
4ـ عبد القادر اليوسف: / علاقات بين الشرق والغرب/ ص42/ بيروت 1969. راجع سعيد عاشور: / الحركة الصليبية/ ج1/ ص36.
5ـ Thompson: /Vol1/ P97.
6ـ الحركة الصليبية: / ج1/ ص37.
7ـ سعيد عاشور: / أوروبا العصور الوسطى/ ج2/ص63/ القاهرة ط2/1961ـ 1963.
8ـ أوروبا العصور الوسطى/ ج2/ ص77، 79.
9ـ الحركة الصليبية/ ج1/ ص38، 39.
10ـ الحركة الصليبية/ج1/ ص40.
11ـ الحركة الصليبية/ج1/ ص41.
12ـ المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك. /ج1/ص230/ القاهرة / 1934 ـ 1958.
13ـ أوروبا العصور الوسطى: / ج2/ ص49.
14ـ الحركة الصليبية/ج1/ ص42.
15ـ أوروبا العصور الوسطى: / ج2/ ص68.
16ـ الحركة الصليبية/ج1/ ص43.

الروابط
المقالات: دوافع الحروب الصليبية على البلاد الإسلامية (1)
الأشخاص: الأستاذ عبد الله الدلباني [المراسل]
مواقع الإنترنيت: شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام)
مفاتيح البحث: الحركة الصليبية،
الحروب الصليبية
المواضيع: عام

الفهرسة