الشيعة والولاية التكوينية
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » الشيعة والولاية التكوينية

 البحث  الرقم: 719  التاريخ: 19 محرّم الحرام 1430 هـ  المشاهدات: 6375
قائمة المحتويات

التمهید

اتفقت الأمامية على ثبوت الولاية التكوينية للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة ولباقي الأنبياء والأوصياء. وملخص الكلام في الولاية أنها تنقسم إلى التشريعية والتكوينية.
ومعنى الولاية التشريعية: إن إرادة رسول الله مقدمة على كل إرادة في مقام اتخاذ القرار والاختيار للمؤمنين، وتحل إرادته بديلة عن إرادة المؤمن أي أن المؤمن إذا أراد أن ينجز عملاً ومنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو إذ لم يرد وأمره فيجب عليه أن يقدم أمر الرسول على إرادته وخيرته، ويطبق أوامره سواء في الحرب أو في السلم، وسواء في أخذ المال وإعطائه وسواء في النكاح أو الطلاق أو الجلاء عن الوطن أو كسب الرزق أو سائر الشؤون الحياتية ولازم ذلك أن للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) حق الطاعة على العباد.
وحق طاعتهم على العباد تنقسم إلى قسمين:
الأول: تنفيذ أوامرهم الشرعية الراجعة إلى التبليغ والسير إليه تعالى.
الثاني: وجوب إطاعة أوامرهم الشخصية.
أما الأول: فلا شك في وجوب إطاعتهم في الأحكام الراجعة إلى التبليغ إذ بعد العلم بأن الأحكام الإلهية لا تصل إلى كل أحد بلا واسطة وأن النبي (صلى الله عليه وآله) صادق في أخباره عن الله تعالى.
فلا مناص من وجوب إطاعته وحرمة معصيته وجوباً شرعياً.
وأما الثاني: أيضاً لا خلاف في وجوب إطاعة أوامرهم الشخصية التي ترجع إلى جهات شخصهم كوجوب إطاعة الولد للوالد. ويُستدل على وجوب الإطاعتين بمجموعة من غير اعتراض.
فمنها: قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (1) فتجب إطاعته عليهم من غير اعتراض.
ومنها: قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه ومن نهاكم عنه فانتهوا) (2).
أوجبت الآية إطاعة النبي (صلى الله عليه وآله) أمراً ونهياً، لأن قول الرسول (صلى الله عليه وآله) وحي من الله تعالى.. (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى) (3).
ومنها: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (4)، فقد أوجب سبحانه وتعالى فيها إطاعته وإطاعة رسوله وإطاعة أولي الأمر، وألوا الأمر هم الأئمة من آل بيت الرسالة.
ومنها: قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (5)، والمراد بولاية الله والرسول التصرف في شؤون المسلمين، ثم الولاية التي لله والرسول ثابتة أيضاً لمن جمع بين الوصفين أي الزكاة والركوع وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) فكما أن الله تجب إطاعته كذلك الرسول والإمام.
ومنها: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (6).
فهذه الآيات تثبت وجوب طاعتهم وشمول ولايتهم على الأموال حيث دلالتها على الولاية ظاهرة سواء في الأمور المتعلقة بالأحكام الشرعية أم بأمورهم الشخصية، لا سيما بقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (7) أي فليس لهم الخيرة من أمرهم إذ حكمهم (عليهم السلام) ولو بما يرجع إلى شخصيتهم تجب إطاعته والأخذ به، خصوصاً عند ملاحظة موردها حيث نزلت هذه الآية حين خطب النبي (صلى الله عليه وآله) بنت جحش لمولاه زيد ابن حارثة فكرهت ذلك لأن زيداً ليس لها بكفؤ، والمعنى أن هذا الزواج بأمر الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، ولا إرادة لأحد من المؤمنين في قبال الرسول (صلى الله عليه وآله) واردته، وهذا هو معنى الولاية.

قصة زينب بنت جحش

ومن الحقول التي طبقت فيها الولاية التشريعية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قصة زينب، فقد زوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمره الولائي من غلامه ودعية زيد بن حارثة وبعد أن طلقها زيد، تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمره الولائي أيضاً.
توضح ذلك: أن زينب وهي بنت عمة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قد تزوجت رجلاً اسمه جحش فأنجت منه بنتاً تدعى زينب، فزينب بنت جحش هي بنت أميمة بنت عبد المطلب وبنت عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وكان زيد بن حارثة غلام رسول الله، واعتقه النبي (صلى الله عليه وآله) وسماه بعد عقته ابنه وكانت قضية الابن بالتبني معروفة ومشهورة ومتداولة بين الناس آنذاك، وكان العرب قبل الإسلام يعتبرون الابن بالتبني وهو الدعي ابناً حقيقياً في الأحكام أي يجرون أحكام الابن الحقيقي على الابن الدعي حتى في استحقاق الإرث وحرمة النسب، ومن المتفق عليه عند العقلاء الأخيار منهم والأشرار أن العادات الموروثة عن الآباء والأجداد هي بمنزلة القانون والديانة لا يجوز لأحد أن يخالفها كائناً من كان فكان الابن بالتبني عندهم كالابن الحقيقي وإذا كانت بناً هي كالبنت الحقيقة.
ولذلك فإنهم عندما يزوّجونه، فقد كانوا يعتبرون زوجته الابن الحقيقي شملها أحكام المحارم وإذا ما طلق الدعي زوجته، فإنهم كانوا لا يتزوجونها، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أنها زوجة ابنهم ولها حرمة مؤبدة، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى كان الحياة الجاهلية أي الاعتقاد بأن الفضل والشرف إنما هو بالمال والعشيرة والقوم والقبيلة كانت شائعة بين العرب.
فكانت المرأة التي ذات النفوذ والشخصية فيم تأتي الزواج من عبد معتق ليس له شأن من حيث الحسب والنسب، وكان الكبار يزوجون بناتهم لأشخاص معروفين من أهل البيوتات ومن ذوي القبائل والعشائر وممن لهم مكانة ومنزلة في المجتمع، ويرون تزويجهن للفقراء والعبيد المعتقين أكبر عار عليهم وكانوا يؤثرون الموت أو تطليق بناتهم على مثل هذا الزواج. وشاءت حكمته تعالى أن يلغي هذه العادة وينهى عنها بالفعل لا بالقول.
وكان رسول الله ً (صلى الله عليه وآله) مكلفاً من ربه أن ينسف هذه الأحكام الجاهلية نسفاً. فعليه أن يعلن للناس أولاً بأن شرف المؤمن بالأيمان والتقوى لا بالمال والحسب والنسب، ولذلك فكل مسلم فقير، حتى لو كان عبداً معتقاً، له الحق أن يتزوج من بنات المتنفذين والوجهاء، وكذلك يمكن لبنات المتنفذين والوجهاء الزواج من المؤمنين الفقراء.
فالتكافؤ في الزواج واختيار الزوج والزوجة هو الإيمان والتقوى لا التكافؤ في المال والاعتبار والعشيرة والقوم والقبيلة.
وأن يعلن للناس ثانياً بأن الابن بالتبني ليس ابناً حقيقياً، وأن التبني لا يترتب عليه أي أثر من آثار النسب فالدعي ليس ابناً والدعية ليست بنتاً، وإن الدعي لا يرث ولا يورث، وهو ليس محرماً، والبنت الدعية ليست محرماً والابن الدعي ليس محرماً بالنسبة إلى زوجة الإنسان وزوجته لا تكون محرماً بالنسبة إليه. فإن طلق الابن الدعي زوجته فللإنسان أن يتزوجها بعده، لأنها امرأة أجنبية لكل ما للكلمة من معنى، وهي ليست من المحارم، يقول تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناء ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) (8).
وعندما أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يطبق الأمر الأول وهو التزاوج بين الأشراف والضعفاء فإنه أراد أن يطبقه على عشيرته الأقربين فذهب عند زينب بنت جحش ـ بنت عمته ـ وخطبها لزيد بن حارثة غلامه ودعيه الذي كان بالأمس عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء وهو يتزوج فعلاً من امرأة لها شأنها نسباً وجمالاً ولا يطمع في أمثالها إلا السادة الأشراف.
ولكن عز على زينب بنت جحش كما جاء في (تفسير الدر المنثور): أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكف منه وقالت: أنا خير منه حسباً. فأنزل الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم من ويعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) (9).
وفي ضوء الأمر الولائي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) قبلت زينب بالزواج من زيد وأصبحت زوجة له، غير أن هذا الزواج لم يكن مقروناً بالهدوء والسكينة، إذ كانت زينب ترى في نفسها الشرف والعظمة وترى زوجها غلاماً معتوقاً لأبن خالها محمد (صلى الله عليه وآله) إلى أن تفاقم الوضع وتأزمت الحياة حتى بلغ الأمر درجة نفذ صبر زيد وشرع بالتعب وجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال له: لا طاقة لي على العيش مع زينب فأذن لي بطلاقها.
فأذن له النبي (صلى الله عليه وآله)، وطلقها.
وهنا كلف النبي (صلى الله عليه وآله) أن يطبق الحكم الثاني وهو إلغاء الآثار المترتبة على التبني، فبدأ بنفسه في المرحلة الأولى إذ أُمر بزواج زينب امرأة دعية ليضع للناس عملياً أن زوجة الدعي ليست من المحارم وأن زواجها ليس فيه إشكال.
تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) زينب بأمر الله مع خشيته الناس، وذلك رفعاً لهذه البدعة الجاهلية. وقد نُفذ هذا الحكم بحمد الله ولم تعد الآثار الابن الحقيقي مترتبة على الابن بالتبني.
أما الروايات الدالة على الولاية التشريعية فهي فوق حد الإحصاء ونكتفي بالإشارة إلى (الزيارة الجامعة) المروية بسند صحيح.
وقول النبي (صلى الله عليه وآله) في غدير خم: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، والمراد من المولى هو الأولى بالتصرف، والحاصل أنه لا شبهة في ولايتهم واستقلالهم في التصرف بأموال الناس وأنفسهم فتوهم كون السيرة على خلاف ذلك، وأن الأئمة لم يأخذوا أموال الناس بغير المعاملات المتعارفة بينهم فلا يجوز ذلك للسيرة فاسد، وذلك من جهة أن غير أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن متمكناً من العمل بقوانين الإمامة، بل كانوا تحت أستار التقية بل أمير المؤمنين أيضاً في كثير من الموارد لم يفعل ذلك لأجل المصلحة وعدم الاحتياج إلى مال الناس، فلا يكشف عدم الفعل على عدم الولاية فمقتضى ولايتهم التشريعية هو وجوب إطاعتهم.
أما الولاية التكوينية فهي عبارة عن تسخير الكائنات الإمكانية تحت إرادة أولياء الله تعالى ومشيئتهم بحيث تصير في طاعتهم واختيارهم وينفذ أمرهم فيها وكن بحول الله وقوته وإذنه بأن تكون ولايتهم على الكون طولية لا عرضية بمعنى أن ولايتهم مستمدة من ولايته عز وجل، فما المانع أن تكون ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة إلى الكون ما دامت بإذن الله تعالى وجعله.
ونكتفي بذكر مجموعة من الآيات التي تدل على الولاية التكوينية للأنبياء والأوصياء. فنقول: أنه قد تحدثت آيات الكتاب العزيز عن عدة أنبياء بأن لديهم قدرة الولاية التكوينية كإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى (عليهم السلام) وغيرهم.
قال تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فاتخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) (10). فطلب إبراهيم (عليه السلام) من الله سبحانه أن يريه إحياء الموتى كان لزيادة إيمانه فقط.
وقوله تعالى: حاكياً عن النبي موسى (عليه السلام): (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى) (11).
وقوله تعالى: (وترك البحر رهواً إنهم جندٌ مغرقون) (12).
وقوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم) (13).
وقوله تعالى: (وأوحيا إلى موسى أن ألقى عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون) (14).
وهذه معاجز صدرت من موسى (عليه السلام) فلو لم تكن له ولاية على هذه الأشياء لما انقلبت العصا إلى حية ولما تفجر من الصخر الماء، ولما اشنق البحر إلى قطع بينها يسلكها بني إسرائيل إلى جانب الآخر وهم آمنون على أنفسهم من الغرق.
وأما داود (عليه السلام) فقد سخر سبحانه له الطير والجبال يسبحن معه والرياح ولين له الحديد بدليل الآيات التالية: (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين) (15). وقال تعالى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) (16). وقال تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير وألنّا له الحديد) (17).
فالمستفاد من هذه الآيات أن الله سبحانه أعطى داود تلك الولاية التكوينية بحيث إذا أراد داود (عليه السلام) في أي ساعة تسخير الرياح لجرت بأمره، ولا يريد إلا ما أراده وتسخير الكائنات لداود (عليه السلام) لم يكن حالة استثنائية تفرد بها داود، بل هي عامة تشمل الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).
وليس داود أفضل من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة حتى يسخر له ما لم يسخر للنبي وعترته (عليهم السلام).
فالثابت عند الفريقين أن النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل من الأنبياء والمرسلين على الإطلاق فإذا ثبت تسخير الكائنات إلى ما دونه بالفضيلة ثبت بطريق أولى إلى نبينا وعترته الطاهرة، وقد أعطى النبي وعترته أكثر مما أعطي آل داود من المعاجز والهيمنة المطلقة على الأشياء.
وقد ورد بسند صحيح عن هارون بن موفق مولى أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال أبو الحسن (عليه السلام) في حديث طويل: (لم يعط داود وآل داود شيء إلا وقد أعطي محمد وآل محمد أكثر) (18).
وأما النبي سليمان (عليه السلام) فقد ورد في مجموعة من الآيات تسخير الكائنات له. قال تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين) (19). وقال تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون) (20). وقال تعالى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) (21).
فمفاد هذه الآيات أن الله سخر لسليمان (عليه السلام) الجن والطير والريح، كما أن أباه داود (عليه السلام) سخرت له الجبال والطير وهذه المعاجز هي نوع من إظهار الولاية التكوينية فمجموع هذه المعاجز هي عبارة عن إظهار سلطة الأنبياء والأولياء على هذا الكون مما يزيد في تثبيت عقائد المؤمنين بهم وزيادة إيمانهم وقوة يقينهم.
وأما النبي عيسى (عليه السلام) قد تحدثت الآيات عنه وما تميز به هذه النبي الكريم من إحياء الموتى وخلق الطير و... قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمة والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) (22).
وقال تعالى: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأُبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) (23).
ولقد أتى عيسى (عليه السلام) بأربع حالات يعجز عنها البشر مهما أوتوا من قوة العلم هي:
1- خلق الطير من الطين ومن دون تناسل.
2- نفخ الروح في الطير المصنوع من طين.
3- إبراء الأكمة والأبرص.
4- إحياء الموتى.
وهذه الأمور وإن كانت من المستحيلات عادة لكنه سبحانه فوضها إلى بعض عباده تشريفاً وتعظيماً لهم لطاعتهم له عز وجل فسمح لهم أن يتدخلوا في عالم الخلق والتكوين وأن يحدثوا ما يعتبر خارقاً لقوانين الطبيعة ثم استعمال أفعال مثل أبرئ وأحي بصيغة المتكلم يدل على أن هذه الأفعال من عمل الأنبياء أنفسهم، بل ظاهر الآيات تدل على أنهم يتصرفون بعوالم التكوين ويقومون بتلك الأفعال بمحض إرادتهم التي هي في طول إرادة الله سبحانه وإنهم كانوا يخلقون بإذن الله تعالى، لأن عملية الخلق استقلالاً هي من مختصات الباري عز وجل.
ومن الآيات التي تدل على الولاية التكوينية قوله تعالى: (قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) (24)، فمن كان يمتلك بعضاً من علم الكتاب كآصف بن برخيا كان قادراً على جلب عرش بلقيس بأقل من طرفة عين فما بالك بمن عنده كل علم الكتاب كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فهو بطريق أولى قادر على التصرف التام في عالم العناصر والأجساد، فيمكن ببعض الأسماء الإلهية أن تيسر الجبال وتقطع الأرض ويكلم به الموتى، كما قال الله تعالى: (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) (25).
وفي الروايات الواردة عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) أن آية: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (26) نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وفي صحيحه عبد الله بن أحمد بن نهيك عن الحسن بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن المثنى قال: سألته عن قول الله عز وجل: (ومن عنده علم الكتاب).
قال: نزلت في علي (عليه السلام) عالم هذه الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وفي رواية أخرى نزلت في علي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي الأئمة بعده (27).
وفي صحيحه أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن أحمد بن حمزة عن أبان بن عثمان عن أبي مريم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هذا ابن عبد الله بن سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله: (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (28). قال كذب ذاك علي بن أبي طالب (عليه السلام) (29).
وتركنا ذكر الروايات الدالة على الولاية التكوينية للأئمة (عليهم السلام) لأحد سببين:
الأول: رعاية للاختصار.
الثاني: أن أهل السنة يرفضون الروايات الواردة من طريق أهل البيت (عليهم السلام).
وكيف كان فقد ثبت مما ذكرناه أن الولاية التكوينية من لوازم مقام النبوة والإمامة، فاتهام الشيعة بأنهم يعتقدون بالولاية التكوينية للأئمة من آل البيت ليس إلا تضليلاً إعلاميا ضدهم، إذ ليس مرادهم من الولاية التكوينية ولاية تفويضية من الله إلى الأئمة (عليهم السلام)، بمعنى أن الله قد فوض أمر الكون إليهم بعد خلقه، بل مرادهم منها أنهم يتصرفون بعوالم التكوين بإذن الله سبحانه.
بقي الكلام فيما يقوله بعض من فرض على نفسه التشكيك في عقائد الناس من أنه لو كانت للمعصوم ولاية تكوينية فلماذا لم يستخدمها ويدفع عن نفسه الضرر.
فنقول في جوابه: إن عدم استعمال المعصوم (عليه السلام) للولاية التكوينية ليدفع عن نفسه الضرر ليس دليلاً على عدم وجودها فيه إذ لا ملازمة بين وجود الولاية وبين استخدامها في جلب الخير لنفسه، ودفع الشر عنه وإلا أي لو كان هناك ملازمة عقلية في ذلك لكان على الله تعالى أن يستخدم ولايته التكوينية على من اعتدى على ساحة قدسه وكبرياء جلاله.

الهوامش

1- سورة الأحزاب: الآية 6.
2- سورة الحشر: الآية 7.
3- سورة النجم: الآية 4.
4- سورة النساء: الآية 59.
5- سورة المائدة: الآية 55.
6- سورة الأحزاب: الآية 36.
7- سورة الأحزاب: الآية 36.
8- سورة الأحزاب: الآية 4.
9- سورة الأحزاب: الآية 36.
10- سورة البقرة: الآية 260.
11- سورة طه: الآية 77.
12- سورة البقرة: الآية 24.
13- سورة البقرة: الآية 60.
14- سورة الأعراف: الآية 117.
15- سورة الأنبياء: الآية 79.
16- سورة ص: الآية 36.
17- سورة سبأ: الآية 10.
18- الاختصاص: تأليف الشيخ المفيد: (ص299).
19- سورة الأنبياء: الآية 81.
20- سورة النمل: الآيتان 16-17.
21- سورة ص: الآية 36-39.
22- سورة المائدة: الآية 111.
23- سورة آل عمران: الآية 49.
24- سورة النمل: الآية 40.
25- سورة الرعد: الآية 31.
26- سورة الرعد: الآية 43.
27- بصائر الدرجات: ص234.
28- سورة الرعد: الآية 43.
29- بصائر الدرجات: ص235.

الروابط
الأشخاص: الشيخ علي البامياني [المترجم]
مواقع الإنترنيت: موقع 14 معصوم عليهم السلام
مفاتيح البحث: الولاية،
الشيعة،
الولاية التكوينية،
عقائد الشيعة،
الولاية التشريعية

الفهرسة