الفراغ.. بين التضييع والإستثمار
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » الفراغ.. بين التضييع والإستثمار

 البحث  الرقم: 75  التاريخ: 21 شوال المكرم 1429 هـ  المشاهدات: 2678
قائمة المحتويات

المقدمة

إن مجالات الحياة واسعة عريضة، يستطيع المرء فيها أن يصرف مواهبه وقابلياته، ويستثمر طاقاته وأوقاته، وذلك من خلال تحديد الفراغ ورسم جدول أو خطة تستغل الساعات العاطلة من اليوم.

لماذا يعيش المسلم أزمة فراغ؟

المسلم المتدين ـ كأي إنسان آخر ـ يمكن أن تصيبه الأزمات كما تصيب غيره، لكن الفارق بينه وبين الإنسان العادي أنه في الأغلب الأعم محصّن ضد الإصابة بالموجات المرضية التي تمس صميم دينه، فشعوره الإيماني المرهف وحساسيته التي تشير إلى يقظة ضميره وتفتح بصيرته، يرفضان ما يعارض دينه، وإن كان شيئاً اسمه (الفراغ).. (والذين هم عن اللغو معرضون) [المؤمنون: 3].
ومما يؤسَف له أن (الفراغ) لا يُنظر إليه بمنظار أنه أزمة أبداً، بل يُرى مجرد حاجة يعاني منها الإنسان الأمرين، بينما يجب الانتباه إلى أن الفراغ قد يتجاوز الحساب الزمني من الدقائق والساعات حتى يصبح خطأً حياتياً عاماً.
والإنسان كيفما كان فهو مرشح للغرق في حومة الفراغ، حتى ذلك المتدين، فهو يزاول أعماله ويمارس هواياته، وله أصدقاؤه الذين يلتقي بهم ويلتقون به في المتجر أو المصنع أو الجامعة وفي الحقل ومجالات الحياة الأخرى، يمارس علاقاته بحرية، ولكن المتدين يختلف عن الإنسان اللاملتزم أنه رجل هدفي، فهو يضع حداً للخطوات العابثة، ويعلم أن التغيير يبدأ من النفس، وهكذا فهو يسعى إلى أن يصنع واقعه بالجد والعمل، وباليقظة والإنتباه، يتعامل في كل ساعة من قضايا الحياة على ضوء الحلال والحرام والواجب والمستحب والمحرّم والمكروه والمباح، وما لا ينبغي ولا يناسب مرحلته ووضعه الخاص، ويتقيد بقيود منهجية وموضوعية يمليها عليه الشرع الحنيف، فهو لا يفرط ولا يقتر ولا يسرف، إنما يلتزم بالأوامر والنواهي، وليسير وفق ضوابط يرضاها الله له.. (تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) [البقرة: 229].
وبذلك نجد المتدين متغيراً نحو الأفضل، متصاعداً نحو الأسمى، معلومة متميزة سماته الأساسية، لا تكون أوقاته ـ التي هي نعم الله له وفرصة لنوال رضا الله تعالى ـ إلا في طاعة واهبها سبحانه وتعالى، فلا يبذّر ساعاته ولا دقائقه، كما لا يبذر أمواله ولا يتلف حوائجه، وتراه يغتنم فراغه في أمور النفع الدنيوي والأخروي كما يغتنمه، وكأنه متهيئٌ لامتحان ومسؤول عما يعمل فيه.
إن هذا الوعي وذلك المسعى، يصبّان في خير الدنيا والآخرة وسعادتهما، ولهذا نجد المسلم المتدين لا يستغرق في الملهيات التافهة، ولا يستأنس بالجلسات الفارغة، ولا يستريح ضميره في أوقات الفراغ والتمدد، حتى يمليها بالعمل الهادف والسعي المربح.
إن مجالات الحياة واسعة عريضة، يستطيع المرء فيها أن يصرف مواهبه وقابلياته، ويستثمر طاقاته وأوقاته، وذلك من خلال تجديد الفراغ، ورسم جدول أو خطة تستغل الساعات العاطلة من اليوم والقابليات المتوفرة لدى الإنسان، فهو يستطيع أن يصرف وقته ما بين المطالعة والعبادة والتسلية العقلية النافعة والرياضة التي يجب ألا تتحول إلى غاية بذاتها، والعلاقات الإنسانية المخلصة التي تُعقد في الله ويتم فيها تبادل الخبرات والنظرات، كما يتم فيها المعرفة الإيمانية والإقتداء بالعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، وبذلك تكون منجية من الخسران، قال تعالى: (والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر: 1ـ3].
عند ذلك نجد المرء المتدين قد خرج من ساعات نهاره، وقد ارتوت روحُه بطاعة الله والكلمة الطيبة، وهدأت نفسُه بلقيا الأحبة وممارسة الفعاليات النظيفة، وتغذى عقله بالحكمة والموعظة الحسنة، واستقر ضميره بالعمل الصالح الذي يرضاه الله ويحترمه الناس على اختلاف أمزجتهم.
أما لو ترك المرءُ أمره إلى الظروف فإنه سينساق مع رياح الضياع، وسيغمى عليه في أجواء الغفلة، وستهفو نفسُه نحو الملهيات التافهة والطائشة، حتى تستغرقه فينسى واجباته فضلا عما يحسن به عمله، وسينفق الساعات والأيام والسنين في المعاصي والغايات المجردة عن النبل والشهامة، تطيح به صحبة السوء إلى مزالق الشرور، وتعصف به زوابع التيه في صحارى الضلال والزيغ، فنجده مرتبكاً متأخراً ضائعاً جهده مبدداً عمله مشتتاً مسعاه، لا يستقر له خاطر ولا يهنأ له جَنان، عقله متخبط في الحيرة، وضميره فارّ من الحقيقة، وروحه ظمآى إلى الهدى، ولكن بدنه لا يمضى في سبيل روحه، ثم تأتي العواقب الوخيمة، في الدنيا خسران العمر دون تحقيق أغلب الأهداف ودون الوصول إلى أغلب المقاصد، وفي الآخرة تفريط في جنب الله وفزع بعد نوم غارق في الغفلة والسهو والإستغراق فيما لا يرضي الله عزّ وجل.
فسعياً إلى زراعة ما ينجي في الدنيا فهي مزرعة الآخرة، ووعياً في الساعات تمر ولا تعود، فهنيئا لمن عمل خيرا.. (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وإن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى) [النجم: 39ـ41].

الروابط
الأشخاص: الأستاذ جعفر البياتي [المترجم]
مواقع الإنترنيت: شبكة جنة الحسين (عليه السلام)
مفاتيح البحث: الفراغ
المواضيع: الاخلاق الفردية،
الأسرة والمجتمع

الفهرسة