الخطبة ٢٧: قد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزوالانبار
المسار الصفحة الرئيسة » نهج البلاغة » الخطب » الخطبة ٢٧: قد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزوالانبار

 البحث  الرقم: 28  المشاهدات: 6206
قائمة المحتويات ومن خطبة له عليه السلام وقد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الانبار بجيش معاوية فلم ينهضوا، وفيها يذكر فضل الجهاد، ويستنهض الناس، ويذكر علمه بالحرب، ويلقي عليهم التبعة لعدم طاعته

فضل الجهاد


أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِباسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ (1) الوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ (2) أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ البَلاَءُ، وَدُيِّثَ للمجهول من دَيّثَهُ ـ أي: ذلّلَهُ.">(3) بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ (4)، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْأَسْهَابِ (5)، وَأُدِيلَ الحَقُّ مِنْهُ (6) بِتَضْيِيعِ الجِهَادِ، وَسِيمَ الخَسْفَ (7)، وَمُنِعَ النَّصَفَ مجهول
، أي حُرِمَ العدلَ: بأن يسلط الله عليه من يغلبه على أمره فيظلمه.">(8).

استنهاض الناس

أَلاَ وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هؤُلاَءِ القَوْمِ لَيْلاً وَنَهَاراً، وَسِرّاً وَإِعْلاَناً، وَقُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ (9) إِلاَّ ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ (10) وَتَخَاذَلتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغَارَاتُ الغارات: مُزِّقَت عليكم من كل جانب كما يشن الماء متفرقاً دفعةً بعد دفعة.">(11)، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأُوْطَانُ.
وَهذَا أَخُوغَامِد قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ الفرات الشرقي، ويقابلها على الجانب الاخر «هِيت».">(12)، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ البَكْرِيَّ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا (13). وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالْأُخْرَى المُعَاهَدَةِ (14)، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا (15) وَقُلْبَهَا (16) وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا ضرب من الخرز.">(17)، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالْإِسْتِرْجَاعِ وَالْإِسْتِرْحَامِ (18)، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ (19)، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ (20)، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً. فَيَا عَجَباً! عَجَباًـ وَاللهِ ـ يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتِماعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ!
فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً (21)، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً الهدف يرميهم الرامون.">(22) يُرمَى: يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْرُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْن! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِم فِي أَيَّامِ الحَرِّ قُلْتُمْ: هذِهِ حَمَارَّةُ القَيْظِ (23) أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الحَرُّ (24)، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هذِهِ صَبَارَّةُ القُرِّ (25)، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا البَرْدُ، كُلُّ هذا فِرَاراً مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ؛ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!

البرم بالناس

يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ!
حُلُومُ الْأَطْفَالِ، وَعُقُولُ رَبّاتِ الحِجَالِ (26)، لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَلَمْ أَعْرِفْكمْ مَعْرِفَةً ـ وَاللهِ ـ جَرَّتْ نَدَماً، وَأَعقَبَتْ سَدَماً (27). قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلَأتُمْ قَلْبِي قَيْحاً (28)، وَشَحَنْتُمْ (29) صَدْرِي غَيْظاً، وَجَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ (30) التَّهْمَامِ التِبيان
والتِلقاءفهما بالكسر.">(31) أَنْفَاساً (32)، وَأَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيَانِ وَالخذْلاَن، حَتَّى قَالَتْ قُريْشٌ: إِنَّ ابْنَ أَبِي طَالِب رَجُلٌ شُجَاعٌ، وَلْكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالحَرْبِ.
للهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً (33)، وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي؟! لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ العِشْرِينَ، وها أناذا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ! (34) وَلكِنْ لا رَأْيَ لَمِنْ لاَ يُطَاعُ!

الهوامش

1- جُنّتهُ ـ بالضم ـ: وقايته، والجُنّة: كل ما استترت به.
2- رغبةً عنه: زُهداً فيه.
3- دُيّثَ ـ مبني للمجهول من دَيّثَهُ ـ أي: ذلّلَهُ.
4- القَماءة: الصّغار والذل، والفعل منه قَمُؤَ من باب كَرُمَ.
5- الاسهاب: ذهاب العقل أوكثرة الكلام، أي حيل بينه وبين الخير بكثرة الكلام بلا فائدة. وروي: (ضُرب على قلبه بالاسْداد) جمع سد أي الحجب.
6- أُدِيل الحقّ منه، أي: صارت الدولة للحق بَدَلهُ.
7- سيم الخسف أي: أُولي الخسف، وكلّفه، والخسف: الذّل والمشقّة أيضاً.
8- النَّصَف: العدل، ومُنع مجهول، أي حُرِمَ العدلَ: بأن يسلط الله عليه من يغلبه على أمره فيظلمه.
9- عُقْر الدار ـ بالضم ـ: وسطها وأصلها.
10- تواكلتم: وكَلَ كل منكم الامر إلى صاحبه، أي لم يتولّهُ أحد منكم، بل أحاله كلٌّ على الاخر.
11- شُنّت عليكم الغارات: مُزِّقَت عليكم من كل جانب كما يشن الماء متفرقاً دفعةً بعد دفعة.
12- الانبار: بلدة على شاطىء الفرات الشرقي، ويقابلها على الجانب الاخر «هِيت».
13- المسالِحُ: جمع مَسْلَحَة ـ بالفتح ـ: وهي الثغر والمَرْقب حيث يُخشى طروقُ الاعداء.
14- المعاهَدَة: الذميّة.
15- الحِجْل ـ بالكسر وبالفتح وبكسرين ـ: الخلخال.
16- القُلُب ـ بضمتين ـ: جمع قُلْب ـ بالضم فسكون ـ: السوار المُصْمَت.
17- الرعاث ـ جمع رَعثة ـ وهو: ضرب من الخرز.
18- الاسترجاع: ترديد الصوت بالبكاء مع القول: إنّا لله وإنا اليه راجعون، والاسترحام: أن تناشده الرحمة.
19- وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم، ويروى (موفورين).
20- الكَلْم ـ بالفتح ـ: الجرح.
21- تَرَحاً ـ بالتحريك ـ أي: همّاً وحُزْناً.
22- الغرض: ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها، فقد صاروا بمنزلة الهدف يرميهم الرامون.
23- حَمَارّة القيظ ـ بتشديد الراء وربما خففت في ضرورة الشعر ـ: شدة الحر.
24- التسبيخ ـ بالخاء المعجمة ـ: التخفيف والتسكين.
25- صَبَارّة الشتاء ـ بتشديد الراء ـ: شدة برده، والقُر ـ بالضم ـ: البرد، وقيل هو بردالشتاء خاصة.
26- حِجال: جمع حَجَلة وهي القبة، وموضع يزين بالستور، وربات الحجال: النساء.
27- السّدَم ـ محرّكة ـ: الهم مع أسف أوغيظ، وفعله كفرح.
28- القيح: ما في القرحة من الصديد، وفعله كباع.
29- شحنتم صدري: ملاتموه.
30- النُغب: جمع نُغْبَة كجرعة وجُرَع لفظاً ومعنى.
31- التّهْمَام ـ بالفتح ـ: الهم، وكل تَفْعال فهو بالفتح إلاّ التِبيان والتِلقاءفهما بالكسر.
32- أنفاساً: أي جرعةً بعد جرعة، والمراد أن أنفاسه أمست هماً يتجرّعه.
33- مِراساً: مصدر مارسه ممارسة ومراساً، أي عالجه وزاوله وعاناه.
34- ذَرّفْتُ على الستين: زدتُ عليها، وروى المبرد «نَيّفت»، وهو بمعناه.



الفهرسة