الخطبة ٥٢: وهي في التزهيد في الدنيا، وثواب الله للزهد، ونعم الله علي الخالق
المسار الصفحة الرئيسة » نهج البلاغة » الخطب » الخطبة ٥٢: وهي في التزهيد في الدنيا، وثواب الله للزهد، ونعم الله علي الخالق

 البحث  الرقم: 53  المشاهدات: 2851
قائمة المحتويات ومن خطبة له عليه السلام وهي في التزهيد في الدنيا، وثواب الله للزهد، ونعم الله علي الخالق
التزهيد في الدنيا
أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ، وَتَنَكَّرَ مَعْرُوفُها (1)، وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ (2)، فَهِيَ تَحْفِزُ (3) بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا، وَتَحْدُو بالموت
إلى الهلاك.">(4) بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرَّ (5) فِيْهَا مَا كَانَ حُلْواً (6)، وَكَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ (7)، أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ (8)، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ (9) لَمْ يَنْقَعْ
(10)، فَأَزْمِعُوا (11) عِبَادَ اللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ (12) عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ، وَلاَ يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الْأَمَلُ، وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الْأَمَدُ.
ثواب الزهاد
فَوَاللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ (13)، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ (14)، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ (15) مُتَبَتِّلِي (16) الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى اللهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلاَدِ، الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَة عِنْدَهُ، أو غُفْرَانِ سِيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَكَانَ قَلِيلاً فَيَما أَرْجُولَكُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ.
نعم الله
وَتَاللهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلوبُكُمُ انْمِيَاثاً (17)، وَسَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ وَرَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ ـ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ.

الهوامش

1- تَنَكّرَ مَعْرُوفُها: خفي وجهها.
2- حَذَّاء: ماضية، سريعة، وقد سبق تفسيرها، وفي رواية «جذاء» أي مقطوعة الدّرِّ والخير.
3- تَحْفِزُهم: تَدفعهم وتسوقهم.
4- تَحْدُوـ بالواو بعد الدال ـ: تسوقهم بالموت إلى الهلاك.
5- أمَرّ الشيء: صار مُرّاً.
6- كدِر كدَراً ـ كفرح فَرَحاً وكدُر ـ بالضم كظرُف ـ كُدُورةً: تعكّرَ وتغير لونه واختلط بما لا يستساغ هو معه.
7- السَمَلَة ـ محركة ـ: بقية الماء في الحوض، والاداوة: المَطْهَرَةُ، وهي إناء الماء الذي يُتَطَهّرُ به.
8- المَقْلَة ـ بالفتح ـ: حَصاة يضعها المسافرون في إناء، ثم يصبون الماء فيه ليغمرها، فيتناول كل منهم مقدار ما غمره، يفعلون ذلك إذا قل الماء، وأرادوا قسمته بالسوية.
9- التمزّزُ: الامتصاص قليلاً قليلاً، والصّدْيَانُ: العطشانُ.
10- لم يَنْقَعْ: لم يُرْوَ.
11- أزْمِعُوا الرحيلَ: أي اعزموا عليه، يقال: أزمع الامرَ، ولا يقال أزمع عليه.
12- المقدور: المكتوب.
13- الوُلّه العِجَال؛ الوُلّه: جمع وَالهة وهي كلّ أُنثى فَقَدتْ ولدها، وأصل الوَلَهِ: ذهابُ العقل، والعِجال من النّوق ـ جمع عَجُول ـ: وهي التي فقدت ولدها.
14- هَدِيلُ الحمام: صوته في بكائه لفقد إلفه.
15- جَأرْتُمْ: رفعتم أصواتكم؛ والجُؤار: الصوت المرتفع.
16- المتبَتّل: المنقطع للعبادة.
17- انماثت انمياثاً: ذَابَتْ ذَوَباناً.



الفهرسة