القمم الشامخة في النهضة الحسينية
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » القمم الشامخة في النهضة الحسينية

 البحث  الرقم: 163  التاريخ: 5 ذو القعدة 1429 هـ  المشاهدات: 2481
قائمة المحتويات

القمم الشامخة في النهضة الحسينية

مثل الناس في الحياة كمثل الجبل المرتفع الذي ترى فيه القمة العالية، والسفح العالي، ثم السفوح الواطئة حتى تصل إلى الوادي السحيق. وهكذا الحال بالنسبة إلى الناس فالبعض منهم يعيش في القمة، وآخرون يعيشون في أعالي السفح وهكذا حتى تصل إلى فريق من الناس يعيشون في مستوى متدن.

كيف نعرف درجتنا الإيمانية؟

والمراقب الذي ينظر من بعيد إلى منظر كهذا، من السهل عليه أن يميز درجات الناس، ولكن الذي يجلس في موقع من مواقع الجبل فإن من الصعب عليه أن يميز موقعه، ربما يمكنه أن ينظر إلى من هو تحته فيدرك أنه أقل منه مستوى، ولكن هل يستطيع أن يميز من هو فوقه؟
وفي الواقع فإن القليل من الناس يستطيعون ذلك، فالأمر ليس بهين، ذلك لأن حب الذات، والأنانية المقيتة، واعتقاد الإنسان بأن خطه هو السليم.. كل ذلك لا يدعه أن يفكر في موقعه الذي هو فيه.
والذي يزيد الطين بلة إن غالبية الناس يعلمون أن هناك أناساً قد استقروا في أعالي القمم، وأنهم هم الحجة الذين ينبغي أن نحاول الوصول إلى مستويات قريبة من مستواهم، فنحن نعلم أن علينا الاقتداء بالنبيr، حيث يقول تعالى:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ ((الاحزاب/21)، وكذلك الحال بالنسبة إلى الاقتداء بالأئمة الأطهار والأولياء والصالحين.
نحن نعلم كل ذلك، ولكننا مع ذلك لا نعلم المستوى الذي نستقر فيه، وعليه فإننا لا نعلم حجم الجهد الذي يجب أن نبذله لنصل إلى تلك القمة.
فأنت -على سبيل المثال- تقف عند قبور أنصار الحسين (عليه السلام) وتقول: فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم [1]، ولكن هل تدري معنى ما تقوله؟ وهل تعرف موقعك بالنسبة إلى من تريد أن تكون معهم؟ لو كُشف لك الغطاء لعلمت بأنهم في قمة شاهقة وأنك في السفح الداني، وأن عليك أن تصعد عالياً وطويلاً حتى تصل إلى القمة، فقد كان الواحد منهم مثل حبيب ابن مظاهر الأسدي يختم القرآن في ليلة واحدة، فقد كان يبدأ بقراءة سورة الحمد عند أول الليل وينتهي إلى كلمة الناس في ثانية المعوذتين عند طلوع الفجر أو قبيله.
وأنا هنا أدعوك لأن تجرب هذا العمل ولو لمرة واحدة، وعند ذاك انظر هل تستطيع أن تكون معهم أم لا؟ فإن لم تستطع ووسوسة لك نفسك بأنك تريد أن تنام وترتاح، فعليك أن تفعل ذلك في ثلاث ليال، فإن لم تستطع ففي خمس أو عشر، وإن لم تستطع فاختم القرآن في ثلاثين ليلة، وهكذا فإن عليك أن تصعد ثلاثين درجة حتى تحرز صفة من صفات حبيب بن مظاهر.

لنحاول أن نكون كأصحاب الحسين (عليه السلام)

حاول أن تصل ٍإلى درجة الحر بن يزيد الرياحي -مثلاً- فإن صممت على ذلك فعليك أن تجرب نفسك كقائد جيش أو ضابط فيه حيث وسائل التضليل والتزوير والترهيب والترغيب متوفرة، وحيث هناك عمليات منظمة لغسيل الدماغ سُلطت عليك ليل نهار، فصورت لك أن الحسين (عليه السلام) خارجي، وأن شريحاً قد أفتى، وخليفة المسلمين أمر، وأمير الكوفة نفذ، والحسين (عليه السلام) خالف؛ كل هذه الأوضاع تدعوك إلى أن تتبع الأوامر لأنك عسكري، ولكن عليك كإنسان أن تتجاوز هذه الأوضاع، وتثور عل هواك فتنتصر عليه، وتنضم إلى جانب الحق. وهذا هو ما فعله الحر، فإن أردت أن تكون معه فأفعل ما فعله.
وإذا ادعيت إنك تستطيع أن تصل إلى درجة الأصحاب لأنك رجل مؤمن أو عالم دين أو خطيب مقتدر فجرب نفسك إذا ذهبت مرة إلى مجلس ورأيت خطيباً يصعد المنبر وقد ألتف الناس من حوله في حين أن منبرك لا يحضره إلا القليل، فقد تتساءل في هذه الحالة: لماذا ألتف الناس حول هذا الخطيب، وتفرقوا من حولي؟ وحينئذ ستوحي لك النفس الأمارة بالسوء بأنه ينتمي إلى الجماعة الكذائية، أو لأنه يكذب في كلامه، أو لأنه كذا وكذا… وهكذا يوسوس الشيطان في صدرك حتى تكاد تصدق الأمر، ولكن -إذا كنت مؤمناً حقاً- سرعان ما يرد إلى ذهنك نداء يدعوك إلى العدول عما وسوسه لك الشيطان، والعودة إلى ما يأمرك به القرآن.
وهكذا فإن هداية الله تأتيك في لحظات، وتمر عليك كالبرق الخاطف في الليالي المظلمة، فإن كنت ذا إرادة قوية فإنك ستتمسك بهذه الهداية، وتنقذ نفسك من الهلاك.
وإذا ما نصبت -على سبيل المثال- إماماً للجماعة في مسجد ثم جاء آخر أفضل منك فعليك أن تختار التنازل عن هذه الإمامة لذلك الرجل لأنه أجدر بها، فهل لك القدرة والإرادة لأن تقوم بذلك؟ فأنت إذا ما تمسكت بحبل الله المتين فسوف يطمئن قلبك، وتستطيع أن تزيل النواقص الموجودة فيك.

لنتجاوز نواقصنا البشرية

أرأيت كيف أن أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ إن هذه التضحية لم تكن في مقدورهم ما لم يتجاوزوا النواقص البشرية والوساوس الشيطانية في أنفسهم، فالحر قد قتل نفسه الأمارة بالسوء في لحظة واحدة فتقدم نحو نور الهداية تاركاً وراءه الحقد والحسد وحب الرئاسة والانحرافات الأخرى، وكذلك بقية أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) إذ أنهم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم.. فالعباس (عليه السلام) كان راكباً فرسه ليل نهار يحمي أهل البيت، وعندما اقتحم بفرسه هذا المشرعة مد يده الكريمة ليغترف غرفة من الماء يشربها، فيدور في ذهنه ما يدور ويلقي الماء ويقول:
يا نفس من بعد الحسين هوني* وبعده لا كنتِ أن تكوني
هذا الحسين شارب المنـــــونِ* وتشربــــين بارد المعـــين
والله ما هــذا فعـــال ديــنـي* ولا فعـــال صادق اليقينِ
فهذه هي الإرادة المثلى، فقس إرادتك على ضوئها، فأنت عندما تصوم في أيام الصيف فإنك تذهب لتغسل وجهك عدة مرات في اليوم، وتنام تحت المكيف، فهل يمكن أن تقاس إرادة العباس (عليه السلام) بإرادتك؟ ومع ذلك فإن من لطف الله تعالى أن لا يمتحن عباده بامتحانات صعبة دائماً، وذلك جاء في الدعاء القرآني:) رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ((البقرة/286)، كما جاء به الدعاء أيضاً: (اللهم أني أعوذ بك من جهد البلاء) [2].
أما إذا كان إيمان الإنسان ضعيفاً، فإنه لا يستطيع أن يجتاز الامتحان وإن كان سهلاً.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسينg، الزيارة السابعة.
[2] - مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، ص154.

الروابط
المقالات: نهضة كربلاء الحسين *
الأشخاص: آية الله السيد محمد تقي المدرسي [المترجم]
مواقع الإنترنيت: الموقع العالمي للدراسات الشيعية
مفاتيح البحث: حبيب بن مظاهر الاسدي،
أهداف الثورة الحسينيه،
العباس بن علي بن أبي طالب،
اصحاب الامام الحسين،
الثورة الحسينية،
المنبر،
...

الفهرسة