رسالة إلى المؤمنين بمناسبة حلول شهر محرم الحرام (آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله))
المسار الصفحة الرئيسة » المقالات » رسالة إلى المؤمنين بمناسبة حلول شهر محرم الحرام (آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله))

 البحث  الرقم: 547  التاريخ: 15 ذو الحجّة 1429 هـ  المشاهدات: 8326
قائمة المحتويات

رسالة إلى المؤمنين بمناسبة حلول شهر محرم الحرام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (1).
صدق الله العلي العظيم
نرفع تعازينا ـ ونحن نستقبل شهر محرم الحرام شهر التضحية والفداء في سبيل الإسلام ـ إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلى آله المظلومين (عليهم السلام)، ولاسيما بقية الله في الأرض وإمام العصر الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويجعلنا من أنصاره وأعوانه، حينما يأذن له بأخذ ثأره من الظالمين، ويطهر الأرض منهم، ويملؤها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
وبعد..
فنحن نستقبل هذه الأيام موسماً من المواسم الدينية العظمى ذات الطابع العقائدي والجهادي والعاطفي والتاريخي. وإذا كـان قد تعذر
علينا أن نتحدث للمؤمنين عنه علناً في عهد النظام السابق نظام الظلم والطغيان ومصادرة الحريات وانتهاك الحرمات - ذلك النظام الذي نصب العداء لأهل البيت (صلوات الله عليهم) ولشيعتهم ومواليهم - فنرى لزاماً علينا أن نتحدث للمؤمنين عنه الآن بعد زوال ذلك الكابوس الخانق، حيث يأخذ المؤمنون وفقهم الله تعالى فيه حريتهم، ويسعهم أن يمارسوا نشاطاتهم التي حرموا من كثير منها مدة طويلة في عهد ذلك النظام. وإن استطاعوا الحفاظ على كثير من تلك النشاطات بصبر وتصميم، وإرادة صلبة على طول المدة وشدة المحنة، متحدّين عنفوان النظام وغطرسته وقمعه وقسوته.
حتى انتهى الأمر في كثير من الحالات إلى مواجهات عنيفة ومصادمات دامية وتضحيات غالية ليست غريبة على هذه الطائفة التي استهدفت من قبل الطغاة والمنحرفين، وتعودت على المزيد من التحديّات والمواجهات، وقدّمت الكثير من الخسائر والتضحيات، عبر تاريخها الطويل، من أجل الدعوة إلى الله تعالى، والتزام خط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، والإنكار على الظالمين وتعريتهم، ورفض انحرافهم وبدعهم.
فشكر الله تعالى لتلك النفوس المؤمنة جهودها وجهادها، ورفع درجات الماضين منهم وألحقهم بأوليائهم الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، ووفق من بقي منهم للمضي في ذلك الطريق وممارسة تلك النشاطات على أفضل الوجوه وأكملها، بعد أن منّ الله تعالى عليهم، فقمع عدوهم وأذلّه، وأعاد لهم حريتهم بعد طول عناء وشدة بلاء.
وصدق الله عز وجل حيث يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾ (2). وحيث يقول: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (3).
وبعد كل ذلك فيحسن بنا أن نتعرض في حديثنا هذا لأمور:
الأمر الأول: أنّ حزن شيعة أهل البيت (وفقهم الله تعالى وأعزهم) بمناسبة مقتل سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وسائر مصائب أهل البيت (ع)، وإحياء مراسم العزاء وإقامة شعائره، والإغراق في ذلك وتحرّي المناسبات له، ليست أموراً اعتباطية جرّهم إليها التعصب والشقاق، ولا هي عادات محضة أخذوها عن أسلافهم وجروا عليها تقليداً لهم، كسائر التقاليد والعادات التي تزاولها بعض المجتمعات، والتي ما أنزل الله بها من سلطان. وإنما هي نشاطات لها جذور دينية أصيلة، وقد قامت عليها أدلة محكمة رصينة، أخبتوا لها وتحملوا من أجلها ما تحملوا من مصاعب ومصائب.
فكما ألزمتهم الأدلة القاطعة بالتأسي برسول الله (ص) والقبول منه، والتمسك بأهل بيته (صلوات الله عليهم) والائتمام بهم في دينهم، كذلك قد حَمَلهم النبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بأقوالهم وسلوكهم على التعامل مع تلك الأحداث الفجيعة بهذا النحو من التعامل.
موقف النبي (ص) والأئمة من مصائب أهل البيت
فقد استفاض عن النبي (ص) في أحاديث الفريقين أنه أخبر عن ظلامة أهل بيته (صلوات الله عليهم)، ولاسيما الإمام الحسين (ع)، وذَكَر مصائبهم فأكثر من البكاء عليها قبل وقوعها. وكذلك الحال في أمير المؤمنين (ع).
بل بكت الأنبياء (ع) على الإمام الحسين (ع) في أعماق التأريخ. وبكته بعد مقتله الأرض والسماء دماً، كما روى ذلك الفريقان. بل ورد أن جميع الموجودات قد بكته في تفاصيل لا يسعنا سردها.
وقد عدّ في النصوص من البكائين الصديقة الطاهرة الزهراء (ع)، لأنها أكثرت من البكاء على أبيها رسول الله (ص)، والإمام زين العابدين (ع)، لأنه أكثر من البكاء على أبيه الحسين (ع). وفي الحديث عنه (ع) أنه قال: (إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة لذلك). وفي حديث الإمام الصادق (ع) عنه (ع) قال: (وكان جدي إذا ذكره بكى حتى تملأ عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه). وفي حديث أبي عمارة المنشد قال: (ماذكر الحسين بن علي عليهما السلام عند أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فرُئيَ أبو عبد الله ذلك اليوم مبتسماً إلى الليل).
وكان هو وبقية الأئمة (ع) يتحرّون المناسبات للحديث عن تلك الفجائع، والبكاء عليها، والحثّ على ذلك، وعلى إقامة المجالس المذكّرة بها. وما أكثر المآتم التي كانوا يقيمونها (ع) بأنفسهم حينما يفد الشعراء عليهم ليذكروا مصائبهم.
وفي الحديث عن الإمام الصادق (ع) قال: (ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي. وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب) وعنه (ع): (إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي (عليهما السلام) فإنه فيه مأجور).
وفي دعائه (ع) الطويل لزوار الحسين (ع): (اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس... وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا...).
وفي حديث آخر عنه (ع): (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
وقد خُصّصت كتب كثيرة لجمعه وتبويبه بنحو يسهل التعرف عليه.
وحقيق بشيعة أهل البيت، بل بالمسلمين عامة، أن يتعرّفوا على الكمً الهائل مما ورد في ذلك. ولاسيما بعد أن صار في المتناول وسهل التعرف عليه بسبب حملة الطبع والنشر الحديثة. ليكونوا بذلك على بصيرة من الأمر، وتتجلى لهم هذه الحقيقة، وليعرفوا أنهم لم يؤدوا بعد ولا يؤدون حق ذلك مهما جهدوا.
فداحة مصائب أهل البيت (ع)
على أن النظرة الموضوعية البعيدة عن التعصب لتلك الأحداث الفجيعة تكفي في حمل المسلم على القيام بذلك والإغراق فيه.
لأن أهل البيت ليسوا أناساً عاديين. بل هم القمة في القدسية والطهارة وسمو الذات، والفناء في الله تعالى والجهاد في سبيله. كما يشهد بذلك ما ورد في حقهم من الكتاب المجيد، وأحاديث الفريقين التي تتجاوز حد الإحصاء.
وقد أمر الله تعالى هذه الأمة بالتمسك بهم والرجوع لهم والائتمام بهم. وجعلهم أماناً لها من الضلال والانحراف والتفرق والاختلاف، وأوجب حبهم ومودتهم.
كما شرفهم بموقعهم من النبي (ص) الهادي لهذه الأمة والمنقذ لها وصاحب الحق الأعظم عليها، فهم منه وهو منهم، يرضيه ما يرضيهم ويسخطه ما يسخطهم، سلمهم سلمه وحربهم حربه، ووليهم وليه وعدوهم عدوه.
وكان (ص) يضفي عليهم من مظاهر الحب والعطف والتكريم والتعظيم ما لا يستوعبه البيان، ويوصي أمته بهم، ويؤكد على أن تحفظه وترعى حقه فيهم.
ولكن الظالمين قد تجاهلوا ذلك كله واتخذوه وراءهم ظهرياً، وأقدموا على انتهاك حرمة أهل البيت وحرمة النبي (ص) فيهم، فجدوا في ظلمهم قتلاً وأسراً ونهباً، وسجناً وتشريداً وتطريداً، بأفظع الوجوه وأقساها، وهتكوا حجابهم، ولم يقفوا في ذلك عند حدّ.
ويزيد في جريمة هذه المصائب أمور:
تحريف الظالمين:
أحدها: أن الظالمين حاولوا وحاول أتباعهم إضفاء الشرعية على تلك الجرائم والظلامات واختلاق الأعذار لها والمبررات، وفتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه، تحريفاً للحقائق وتجاهلاً لها، حتى قيل عن فاجعة الطف على بشاعتها: إن الحسين قتل بسيف جده (ص)، وحتى بلغ الأمر أن اتخذ يوم عاشوراء عيداً في كثير من بلاد الإسلام.
السبب الحقيقي لمصائب أهل البيت (ع)
ثانيها: أن ما وقع على أهل البيت (صلوات الله عليهم) إنما كان بسبب انحراف الحكم والسلطة في الإسلام عن المسار الصحيح الذي أراده الله تعالى، لحفظ دينه ونشر العدل في بلاده، ذلك الانحراف الذي يعاني منه المسلمون حتى اليوم الأمرّين، في بعدهم عن الإسلام، واستهانتهم بحدوده وأحكامه، وتحللهم عن مُثُله وأخلاقياته، وفي اختلافهم في دينهم، وتشرذمهم وتفرقهم وضرب بعضهم لبعض، وضعفهم ووهنهم وهوانهم، واكتساح الأعداء لهم... إلى غير ذلك مما لا يحتاج إلى بيان.
صراع أهل البيت (ع) إنما كان من أجل الحق
ثالثها: أن أهل البيت (صلوات الله عليهم) مع أنهم أصحاب الحق، ومن حقهم المطالبة به، إلا أنهم لم يقفوا في وجه الظالمين من أجل استرجاع حقهم رغبة منهم في الدنيا وحباً للحكم والسلطان، بل من أجل خير الإسلام والمسلمين، والحفاظ على حدود الله تعالى وأحكامه، وصلاح عباده، ونشر العدل في بلاده، كما استفاض ذلك في أحاديثهم، وظهر من مواقفهم وسيرتهم.
يقول أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه): (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك).
ويقول الإمام الحسين (ع) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: (وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص)، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).
وقال (ع) في خطبته لأصحابه لما نزل كربلاء: (ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله...)... إلى غير ذلك من تصريحاتهم صلوات الله عليهم وما هو المعلوم من واقعهم.
أما خصومهم فتطغى على سلوكهم وأحاديثهم روح الاستعلاء والغلبة والاستغلال والظلم والتحلل والاستهتار بأفظع وجوهها، كما هو أظهر من أن يحتاج إلى بيان.
ونتيجة لاختلاف الأهداف اختلفت الوسائل، فكانت المثالية والخلق السامي الصفة الظاهرة في وسائل أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتميزت وسائل الآخرين بالاستهتار والاستغلال والمكر والخديعة، وغير ذلك من مظاهر التدهور للحضيض.
فحينما امتنع جماعة من بيعة أمير المؤمنين (ع) تركهم وشأنهم ولم يجبرهم على بيعته، كما فعل غيره، وقد قال صلوات الله عليه: (قد يرى الحوّل القُلّب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله فيدعها رأي العين، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين).
ويشير عليه بعض خواصه أن يتألف الوجوه والرؤساء بالأموال فيقول: (أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟! لا والله لا أطور به ما سمر سمير وما أم نجم في السماء نجماً).
وحينما سئل مسلم بن عقيل (ع) سفير الحسين في الكوفة عن سبب امتناعه من اغتيال عبيد الله بن زياد في بيت هانئ بن عروة كان مما اعتذر به حديث علي (ع) عن رسول الله (ص): (إن الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن).
ولما أراد الإمام الحسين (ع) الخروج إلى العراق خطب الناس في مكة وأعلمهم بمصيره المحتوم، ثم قال: (ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا...). وكذا الحال لمّا بلغه في الطريق قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وخذلان الناس له، خطب أصحابه وكان قد تبعه بعد خروجه من مكة خلق كثير، فأخبرهم بذلك، وأذن لمن شاء أن ينصرف، فتفرق الناس عنه، ولم يبق معه إلا من خرج معه من مكة. كل ذلك لأنه لا يريد إغفال الناس وإحراجهم، بل يريد أن يعرفوا على ماذا يقدمون، ويقتصر على أهل البصائر منهم الذي يوطنون أنفسهم على الموت... إلى غير ذلك من مواقفهم (عليهم السلام) المثالية.
أما خصومهم فهم على النقيض من ذلك، كما هو أظهر من أن يحتاج للبيان. ويكفي قول معاوية في خطبته حينما دخل الكوفة: (ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا. وقد أعرف أنكم تفعلون ذلك. ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون).
وقال عن شروط الصلح التي أعطاها للإمام الحسن (ع): (ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به).
وبذلك يكون الصراع في حقيقته بين الحق والدين والاستقامة من جانب والباطل والانحراف والتحلل من الجانب الآخر، وكانت مصائب أهل البيت (صلوات الله عليهم) وظلاماتهم في حقيقتها مصائب الحق والدين والأخلاق والمثل، وظلم لجميع ذلك.
هذه هي الدوافع والمبررات لموقف الشيعة من الظلامات والمصائب والفجائع التي نزلت بأهل البيت صلوات الله عليهم، وتعاملهم معها، ولا أظن المنصف بعد ذلك يلومهم على ذلك.
الأمر الثاني: قد أكدنا في مناسبات مختلفة على أهمية إحياء أمر أهل البيت (صلوات الله عليهم) بزيارة مشاهدهم الشريفة، وبإحياء مناسباتهم في مواليدهم واستشهادهم. وقد أطلنا الكلام في ذلك في رسالتنا التي وجهناها للشعب العراقي بعد سقوط النظام. وحان الوقت لأن يأخذ المؤمنون ـ بعد انحسار النظام السابق ـ حريتهم في مزاولة نشاطاتهم المختلفة، وإبداء مشاعرهم وعواطفهم المتأججة نحو أهل البيت (صلوات الله عليهم)، خصوصاً في هذا الموسم العظيم موسم الصرخة من أجل أهل البيت (ع) في مأساتهم الكبرى وملحمتهم العظمى المضمخة بالدماء الزكية.
ونحن في الوقت الذي نشجع على تلك النشاطات ونؤكد على أهميتها نلفت أنظار المؤمنين عامة إلى أنه ينبغي لهم:
الحذر من كيد المفسدين والمخربين
أولا: أن يكونوا على حذر من كيد الأعداء والمفسدين الذين يستغفلون الناس ويقومون بأعمالهم التخريبية التي ذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء.
مؤمنين عامة أن لا يكون انشغالهم بنشاطاتهم المذكورة وتفاعلهم معها بنحو يغفلهم عمّا يراد بهم، فينفذ المفسدون بينهم ويخترقونهم، ويقضوا مآربهم الإجرامية فيهم، بل يكونوا على مزيد من الحذر واليقظة والانضباط. ويستنفروا طاقاتهم في مراقبة المفسدين وتعقبهم، ويتعاونوا مع الجهات المسؤولة لحفظ الأمن والاستقرار. مع المزيد من التوكل على الله تعالى، والتوسل إليه ببركة أهل البيت (صلوات الله عليهم) في أن يسددهم في ذلك ويحوطهم برعايته وعنايته، ويكفيهم شر الظالمين، ويرد كيد المعتدين والباغين إلى نحورهم. إنه الرؤوف بالمؤمنين الرحيم بهم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الشعور بوحدة الهدف
وثانياً: أن يشعروا أنفسهم عند القيام بهذه النشاطات المباركة بوحدة الهدف وشرف الغاية وقدسيتها بسبب انتسابها لأهل البيت (صلوات الله عليهم)، الذين هم القمة في الكمال والفناء في ذات الله تعالى، ليكون ذلك محفزاً لهم على جمع كلمتهم وتثبيت ألفتهم وأخوتهم، وغض النظر عن بعض الهفوات العفوية التي قد تصدر من بعضهم. ويترفعوا عن المباهات والمفاخرة والتسابق والتناحر، حيث قد يحاول الشيطان الرجيم أن يلقيها في روعهم ويزرعها في صدورهم، ليذهب ببهاء عملهم ويحبط أجرهم، ويفرق كلمتهم، ويشتت جمعهم، ويلقي بأسهم بينهم. وليتعوذوا بالله تعالى من كيده وشره ووسوسته وخدعه وغروره وفتنته. فإن (الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير).
المحافظة على الطابع الديني
وثالثا: أن يحافظوا في تلك النشاطات على طابعها الديني والروحاني، وذلك بالحفاظ على حدود الله تعالى، وإقامة الفرائض عند حلول أوقاتها، وحسن الخلق، وحفظ اللسان، وصدق اللهجة، وغير ذلك، مما يناسب قدسيتها وانتسابها لأهل البيت (صلوات الله عليهم).
ولاسيما وأن هذه النشاطات والفعاليات تثقل على كثير من الناس ـ من الأعداء والمنحرفين ـ وهم يحاولون بجهدهم منعها. وإذا لم يستطيعوا منعها بالقوة يحاولون تتبع العثرات واستغلال الثغرات، وبث الدعايات الكاذبة، وتضخيم ذلك من أجل تهجين هذه النشاطات وتبشيع صورتها وتنفير الناس عنها، بنحو قد يبرر منعها، أو تحديدها وتقليصها.
ونأمل بالمؤمنين وفقهم الله تعالى أن يحولوا دون ذلك بسلوكهم وانضباطهم وحسن تصرفهم وتعاملهم مع الأحداث (وسلذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
التركيز على الهدف النبيل
ورابعاً: أن الهدف من هذه النشاطات لما كان هو الانشداد لأهل البيت (صلوات الله عليهم)، وأداء حقهم، ومواساتهم في أحزانهم وأفراحهم، فاللازم التركيز على هذا الهدف النبيل وعدم إغفاله.
وإذا أراد بعض الأشخاص أن يبدع ويجدد فيما يتعلق بهذه النشاطات ـ كاختراع الأدوار في إنشاد الأشعار، ورفع اللافتات ونحو ذلك ـ فعليه أن يجعل إبداعه وتجديده لخدمة هذا الهدف والتركيز عليه، ولا يكون همه الإبداع من أجل الفن والتجديد، من دون اهتمام بالهدف المذكور. فضلاً عما إذا كان يخل به، ويسير باتجاه اللهو والترف، والتفاخر، ونحو ذلك.
ولاستيضاح الحال، وتمييز المبدع لهدفه، عليه أن يلتفت إلى حاله لو فرض مشاركة أحد المعصومين ـ كالصديقة الزهراء (صلوات الله عليها) والإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) ـ ويرى بوجدانه هل أن التجديد والإنتاج الذي يزاوله يتناسب مع حضورهم (صلوات الله عليهم) أو لا يتناسب؟ فإنهم سلام الله عليهم إن لم يحضروا فلا أقل من أن يطلعوا على نشاطات شيعتهم وأعمالهم هذه ويشرفوا عليها.
ولاسيما إمام العصر (عجل الله فرجه) الذي ورد في نصوص كثيرة أن أعمال الشيعة تعرض على النبي (ص) وعليه. فـاللازم اختيـار ما هـو الأنـسب بنهجهم والأقرب
لرضاهم، والأدعى لحضورهم ومشاركتهم. والله سبحانه وتعالى من وراء ذلك محيط، وهو على كل شيء رقيب شهيد.
الأمر الثالث: أن شيعة أهل البيت (رفع الله تعالى شأنهم) يملكون ـ ببركة أئمتهم (صلوات الله عليهم) وبفضل توجيهاتهم ـ تجمعات ثقافية لا يملكها غيرهم، وهي التجمعات التي يعقدونها كثيراً في المناسبات التي تخص أهل البيت (صلوات الله عليهم) في مواليدهم وأفراحهم واستشهادهم وأحزانهم. وهم يبذلون في سبيلها طاقات مادية ومعنوية هائلة.
وتمتاز هذه التجمعات بأنها تجمعات طوعية، يندفعون إليها وينشدّون لها تبعاً لروابطهم الدينية، المشفوعة بمزيد من التقديس والعاطفة، والمبتنية على ما تجذر في أعماقهم من الولاء لأهل البيت (صلوات الله عليهم). ونتيجة لذلك فهم يتفاعلون مع تلك التجمعات، ومع ما يلقى فيها من مواد تثقيفية تتناسب معها.
ومن هنا فاللازم أن يفوزوا بثمرات مناسبة لذلك في تثقيفهم دينياً، وشدهم عاطفياً نحو مبدئهم ورموزه الذين هم القمة في الكمال والقدسية والفناء في الله تعالى والتضحية في سبيله.
وليس من الإنصاف أن تكون نتيجة هذه التجمعات أحاديث وخطابات شكلية غير مثمرة، وتذهب تلك الجهود ضياعاً. فضلاً عن أن تبتني عن الانحراف عن الأهداف السامية التي أقيمت لها تلك التجمعات، ودعا لها أئمتنا صلوات الله عليهم، وحثوا شيعتهم عليها.
وإن من أهم هذه المناسبات واقعة الطف الكبرى، لما امتازت به من التضحيات الجسام من سيد الشهداء والصفوة من أهل بيته وصحبه (صلوات الله عليهم)، وتضمخت به من دمائهم الزكية، مشفوعة بالإباء والكرامة والمثاليات السامية والخلق الرفيع. وكان في مقابل ذلك من خصومهم المزيد من الظلم والطغيان والبشاعة والقسوة والخسة والإسفاف في الهبوط إلى الحضيض.
ومن ثم كان شهر محرم الحرام من أهم مواسم أهل البيت (صلوات الله عليهم) وشيعتهم، التي تعيد لمبادئهم الرفيعة حيويتها، وتجدد لها نشاطها على مرّ العصور وتعاقب الأجيال، والتي تُسمِع صوتهم للعالم في دعوتهم للحق وإنكارهم على الباطل، وصرختهم في وجه الظلم والطغيان.
وعلى المبلغين والخطباء (سددهم الله تعالى) في هذا الموسم الشريف أن يُشعروا أبناء هذا البلد العزيز بواجبهم في هذه الظروف الحرجة، ويحملوهم على إشغال الساحة، والحذر من أن يُستغفلوا ويُغلبوا على أمرهم وتُهضم حقوقهم، وأن يحافظوا على وحدة كلمتهم وألفتهم.
أما فيما يخص وظيفتهم التثقيفية والتبليغية في مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم) عامة وهذه المناسبة خاصة فعليهم:
التثقيف بالأحكام الشرعية
أولاً: أن يجدّوا في تثقيف المؤمنين بأمور دينهم وتعريفهم بخصوصيات الأحكام الشرعية وتفاصيلها، لحاجتهم عموماً لذلك، لأهميته في الواقع الديني العملي، وعدم تيسر الإطلاع على هذه الأمور والإلمام بها لولا التعليم المستمر والتثقيف المركز.
ويزيد الأمر أهمية في هذا البلد العزيز، نتيجة الفراغ الهائل، بسبب موقف النظام السابق في عهده الطويل من هذا الأمر، ومحاربته له بوجه مبرمج مدروس، ومحاولة اجتثاثه من جذوره، لولا عناية الله تعالى ورعايته.
التركيز على الجانب العقائدي
وثانياً: أن يركزوا على الجانب العقائدي. ولاسيما ما يتعلق برفعة مقام أهل البيت (صلوات الله عليهم) عند الله، وما ورد في حقهم في الكتاب المجيد والسنة النبوية الشريفة، وما طفح به التاريخ من ثباتهم على الحق، وتمسكهم بالمثاليات ومكارم الأخلاق، ورفضهم للظلم والباطل. مع التأكيد على خسة خصومهم وعدوانهم، وبشاعة جرائمهم، وسوء سيرتهم وسلوكهم.
فأن لذلك أعظم الأثر في شدّ الناس بعقولهم وقلوبهم وعواطفهم نحو أهل البيت (صلوات الله عليهم) ونحو مبادئهم الرفيعة وتمسكهم بها، ونفرتهم من الظلم والظالمين ومن أتباعهم، وإنكارهم عليهم. وذلك من أهم شؤون العقيدة الحقة.
والمؤمنون وإن كانوا ملمّين بذلك في الجملة، إلاّ أن كثيراً منهم في غفلة عن تفاصيل ذلك، وعن أدلته، فاللازم أن يستوضحوا التفاصيل وتتركز الأدلة في نفوسهم، ليزدادوا بصيرة في دينهم، وليتسلحوا بالمناعة ضدّ موجة التشكيك والخصومة التي يملك الدافعون لها قدرات إعلامية هائلة لا تسهل مجاراتها.
التركيز على الظلامة
وثالثاً: التركيز ـ ولاسيما من الخطباء ـ على ظلامة أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومصائبهم، وعلى بشاعة ما جرى عليهم من الظالمين، والتفجع لذلك، على اختلاف أساليب الكلام ـ نظماً ونثراً ـ من أجل استثارة العاطفة واستدرار الدمعة، وتخصيص قسم معتد به من المحاضرة والحديث لذلك.
لأن لذلك أعظم الأثر في شدّ الناس نحو أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتنفرهم من أعدائهم وقد أكد على ذلك أئمتنا (صلوات الله عليهم) قولاً وعملاً بوجه مذهل، لا يدع مقالاً لقائل، ولا عذراً لمعتذر. ولا يسعنا التعرض لما ورد عنهم في ذلك، لأنه فوق حدّ الإحصاء.
ويحسن بالخطيب والمبلغ التعرض لما يتيسر له من أحاديثهم وما ورد عنهم في ذلك، حسب اختلاف المقامات، لأنه أوقع في التفجع وأدعى للدمعة، تأسياً بهم وتفاعلاً معهم (صلوات الله عليهم).
الحث على الاستشهاد بالروايات
ورابعاً: محاولة ربط المعلومة التي يلقيها المبلغ والخطيب في الجانب العقائدي والتربوي والعاطفي بما ورد في الكتاب المجيد وأحاديث النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم)، ليشعر السامع بأنه قد أخذها من الأصول الأصيلة والمنابع الصافية، وليست هي تخرصات واجتهادات، أو تقليديات ما أنزل الله بها من سلطان. ولذلك أعظم الأثر في سكون النفوس للمعلومة التي يتحدث عنها المتحدث، وانشداد الناس نحوها، وتركزها في نفوسهم وتفاعلهم معها.
بل يحسن الإكثار من تطعيم الحديث الذي يلقيه الخطيب والمبلغ بالآيات الكريمة، وبما ورد عن النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين)، من خطب وأحاديث وأدعية، لا من أجل الاستدلال بها فحسب، بل من أجل شدّ السامع لحديث المبلغ والخطيب وتجاوبه معه، لأن تلك النصوص الشريفة تمتاز بالقدسية والروحانية، مع فصاحة وبلاغة، وقوة ورصانة، وسمو وجمال، ورونق وبهاء. ومن ثم تكاد تكون معجزة تشهد برفعة مقام قائليها (صلوات الله عليهم) وجلالة شأنهم وعظم خطرهم. كما أنها وسام شرف لشيعتهم وأوليائهم، يمتازون به عن غيرهم، ويشهد بصدق انتسابهم لأهل البيت (صلوات الله عليهم) وتشرفهم بالأخذ منهم، حيث خصّوهم (صلوات الله عليهم) بها وأودعوها عندهم، فرعوها ووعوها، ووفقوا لحفظها ونشرها وتعريف الناس بها.
الأمر الرابع: يشيع من أهل الحديث من الفريقين والمؤرخين عامة عرض حادثة الطف الفجيعة والحديث عنها. ولهم في ذلك اتجاهان:
التخطيط للنهضة بشري
أولهما: أن التخطيط لها كان بشرياً، وأن الإمام الحسين صلوات الله عليه قد خطط للثورة وفق قناعاته وحساباته المادية من أجل الاستيلاء على السلطة. وقد حاول بخروجه تنفيذ مخططه، إلا أنه لم يتسن له ما أراد، لخطئه في تقييم الأوضاع التي عاشها، وحزم خصومه، وخيانة من دعاه وتعهد بنصره، حتى انتهى الأمر إلى قتله وقتل من معه والإجهاض على مشروعه، كما توقع ذلك كثير من أهل الرأي، ونصحه كثير منهم ـ من أجل ذلك ـ بعدم الخروج. وهذا هو الذي يظهر من كثير ممن تعرض لحادثة الطف.
التخطيط للنهضة الهي
ثانيهما: أن التخطيط لها إلهي، وأن الله سبحانه وتعالى قد عهد للإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وأمره بتنفيذ مشروع ينتهي باستشهاده واستشهاد من معه وجميع ما حدث من مآس وفجائع. كل ذلك لمصالـح عظمى تناسب حجم التضحية وأهميتها قد علم الله تعالى بها. وربما ظهر لنا بعضها. وقد نجح صلوات الله عليه في مشروعه وحقق ما أراد.
وأن من أشار عليه بعدم الخروج قد خفي عليهم وجه الحكمة، كما خفي على المسلمين وجه الحكمة في صلح الحديبية، فاستنكروه من النبي (ص) كما خفي على كثير من أصحاب الإمام الحسن (صلوات الله عليه) وغيرهم، وجه الحكمة في صلحه لمعاوية، فأنكروا عليه... إلى غير ذلك من الأمور الغيبية التي قد يخفى وجهها، والناس أعداء ما جهلوا. بل قد يكونوا معذورين لجهلهم.
إثبات أن التخطيط للنهضة إلهي
ونحن الشيعةَ حيث كنّا نؤمن بعصمة الإمام الحسين وسائر الأئمة (صلوات الله عليهم) لابد أن نتبنى التفسير الثاني للنهضة المباركة، ولجميع ما صدر من الأئمة (صلوات الله عليهم).
ومع ذلك فنصوصنا مستفيضة عن النبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بما يؤكد التفسير المذكور. نكتفي منها بحديث العمري عن الإمام الصادق (صلوات الله عليه):
(قال: إن الله عز وجل أنزل على نبيه (ص) كتاباً قبل وفاته، فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النُجَبَة من أهلك... فدفعه النبي (ص) إلى أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وأمره أن يفك خاتماً منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) خاتماً وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى ابنه الحسن (صلوات الله عليه)، ففك خاتماً منه وعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين (صلوات الله عليه)، ففك خاتماً فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلا معك، واشتر نفسك لله عز وجل، ففعل، ثم دفعه إلى علي بن الحسين (صلوات الله عليه).
بل نحن نرى أن التفسير الأول ظلم لسيد الشهداء (صلوات الله عليه) واستهوان بنهضته المقدسة، لا من أجل اعتقادنا بعصمته، ولا من أجل الأحاديث التي أشرنا إليها، بل لأمرين:
النهضة لاتناسب الانتصار مادياً
أولهما: أن الظروف التي أحاطت بنهضته المباركة وخروجه من مكة المكرمة إلى العراق كانت لا تناسب انتصاره مادياً. ولا أقل من أنها كانت تقتضي مزيداً من الاحتياط والتلبث، كما يشهد بذلك إجماع آراء من نصحه، فإنهم ذكروا لتوجيه آرائهم أموراً لا تخفى على كثير من الناس، فضلاً عن الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، فإقدامه مع ذلك على تلك النهضة وما استدعته من تضحيات جسام لابد أن يكون لهدف آخر غير الانتصار المادي المنظور لهم.
معرفة الحسين (ع) بالمصير المحتوم
ثانيهما: أن التاريخ الإسلامي العام قد تضمن كثيراً من الأمور التي تشهد بمعرفة الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وكثير من الناس بالمصير الذي ينتظره، فقد استفاض عن النبي (ص) وأمير المؤمنين ـ بل عن الإمام الحسين نفسه ـ الإخبار بمقتله في هذه النهضة، بل الإخبار ببعض تفاصيلها وخصوصياتها والتهيئة لذلك. فلو لم يكن موفقاً فيها لكان على النبي (ص) وأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يحذراه من تلك النهضة، ويمنعاه منها، وما كان (صلوات الله عليه) ليخالفهما في ذلك قطعاً، لما هو المعلوم من رشده ودينه وورعه.
كما أنه يوجد في زوايا التاريخ بعض النكات التي تشهد بأن الحسين (صلوات الله عليه) كان مصمماً على التضحية، ولا يريد التشبث بأسباب العافية والسلامة. ولا يسعنا تفصيل الكلام في ذلك في هذه العجالة.
ونكتفي بما أشار إليه (صلوات الله عليه) وأجمله في كتابه من مكة المكرمة إلى من بقي من بني هاشم في المدينة، حيث قال فيه: (أما بعد فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح. والسلام).
عظمة الإمام الحسين (ع)
وبذلك تتجلى عظمة الإمام الحسين (صلوات الله عليه) وروح التضحية التي يتحلى بها وقوة العزيمة والتصميم التي يحملها.
فإن المضحين غالباً إما أن يتشبثوا بأمل السلامة ونجاح المشروع الذي يخططون له فيشرعوا في تنفيذه ويدخلوا في المعركة، حتى إذا أخطؤوا وفشل مشروعهم أبت لهم كرامتهم وحميتهم التراجع والاستسلام من أجل السلامة، فيثبتون حتى النهاية، وإما أن يفاجأوا بالمعركة من دون تخطيط سابق لها وتنسد أمامهم طرق النجاح فتمنعهم حميتهم أيضا عن الاستسلام طلباً للسلامة، ويثبتوا حتى النهاية.
أما أن يدخل الإنسان في مشروع طويل الأمد يعلم مسبقاً بأنه ينتهي بمثل هذه التضحيات الجسام والفجائع الفادحة، ويخطط لتنفيذه بصلابة وعزم، فهو أمر يحتاج إلى قابلية استثنائية.
والناظر في تفاصيل واقعة الطف ـ بموضوعية وإنصاف ـ يرى أن الإمام الحسين (صلوات الله عليه) منذ امتنع من بيعة يزيد في أواخر شهر رجب، وتحرك ركبه من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، صمم على أن يُقتل هو وأهل بيته نجوم الأرض من آل عبد المطلب ـ كما تقول العقيلة زينب (عليها السلام) ـ مع الصفوة من أصحابه، ثم ما يتبع ذلك من نهب رحله، وانتهاك حرمته، وسبي عياله والتشهير به وبهم وتركهم غنيمة بأيدي تلك الوحوش الكاسرة والنفوس المغرقة في الجريمة والرذيلة.
ولم يمنعه شيء من ذلك عن التصميم والتخطيط والإصرار والاستمرار حتى النهاية التي حصلت بعد ما يقرب من ستة أشهر.
كل ذلك لفنائه في ذات الله تعالى، ولأن هدفه الأسمى رضاه جل شأنه. كما أفصح عن ذلك في خطبته الجليلة حينما أراد الخروج من مكة، حيث قال فيها (صلوات الله عليه): خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة. وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف. وخير لي مصرع أنا لاقيه. كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً. لا محيص من يوم خط بالقلم. رضا الله رضانا أهل البيت. نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين... .
والملفت للنظر ـ مع كل ذلك ـ أنه صلوات الله عليه استطاع أن يختار لنهضته الشريفة من أهل بيته وأنصاره من لا يتراجع عنها بعد أن اقتنع بها، وكان بوسعهم التراجع في أي وقت أرادوا. لكنهم آمنوا بقيادته، واستسلموا له حتى النفس الأخير مع قوة البصيرة ومزيد من السرور والشعور بالفوز والسعادة. بل منوا بمشروعه كما آمن هو (صلوات الله عليه) ولذا تشبثوا به ولم يتركوه حتى بعد أن أذن لهم بالانصراف وجعلهم في حل من بيعته.
وحتى عائلته التي رأت من بعده الأهوال لم ينقل عن أحدهم أي استنكار لموقفه (صلوات الله عليه) أوشكوى منه في استمراره الى النهاية المفجعة.
وهذا أمر نادر لا يسهل حصوله لولا العناية الإلهية والتسديد الرباني.
ويحسن بالباحثين المثقفين ـ بما فيهم الخطباء والمبلغون ـ أن يتوجهوا لذلك، ويبحثوا بموضوعية وإنصاف في نكاة الأحداث وفلتات التاريخ وزواياه، ويقارنوا بين معلوماتهم حينئذ، ليتضح لهم ذلك، ويوضحوه للغافلين والمغرر بهم.
كل ذلك خدمة للحقيقة، ودفاعاً عن سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه) الذي قدم الكثير، وقد ظلمه التاريخ، وظلم جميع أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وظلم خطهم ودعوتهم.
دعوة للمثقفين
كما يحسن بهم أن يتوجهوا ـ مضافاً إلى ذلك ـ للبحث في أمرين:
1- ثمرات هذه النهضة المباركة، وما جناه منها الإسلام عموماً وخط أهل البيت (صلوات الله عليهم) خاصة من مكاسب جليلة.
2- توقيت هذه النهضة بعصر الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، حتى كان هو المنفذ لها دون غيره من الأئمة (صلوات الله عليهم)، مع أنهم في العلم والشجاعة سواء ـ كما ورد عنهم (صلوات الله عليه) ـ وهم من نور واحد، وعلى نهج واحد، وإن اختلفت ظروفهم وسيرتهم. فإن لذلك أهمية كبرى في خدمة خط أهل البيت (صلوات الله عليهم)، والتعرف على واقعهم.
ولا يسعنا فعلاً الحديث في ذلك، وإنما نكله لطلاب الحقيقة من الباحثين. وإن كنا على استعداد للتعاون معهم بما يسعنا وتسمح به ظروفنا.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا وعلى جميع الباحثين بالتوفيق لتحقيق الحقائق، والتسديد في الدعوة لها، وأن يزيدنا إيماناً وتسليماً، ويكفينا وجميع المؤمنين شر الظالمين والمفسدين إنه أرحم الراحمين، وخير الناصرين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش

1- التوبة/111.
2- البقرة/214.
3- الأحزاب/23.

الروابط
المقالات: توجيهات للمبلغين والخطباء (آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله))،
كلمة توجيهية بمناسبة عاشوراء الحسين (عليه السلام) (آية الله العظمى الشيخ الميرزا جواد التبريزي (قدس سره)) *
مواقع الإنترنيت: حوزة الهدى للدراسات الإسلامية
مفاتيح البحث: عاشوراء،
عبيد الله بن زياد،
بكاء النبي على الحسين،
خروج الإمام الحسين،
البكاؤون الخمسة،
معاوية بن أبي سفيان،
...
الواحات: الواحة الحسينية

الفهرسة